الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٥٧

الوقف الجربي في مصر

فساعدته في الحصول على سكن وشجعته على الاتصال بالجالية الميزابية، وخاصة الشيخ أبا إسحاق أطفيش للانتظام في الدراسة بالأزهر، والتمتع بمنحة كافية لتسهيل إقامته بالقاهرة، وقد وفق في متابعة دروس بجامعة القاهرة ورابط بدار الكتب المصرية فكان أول الداخلين وآخر الخارجين. وتعرّف على أدباء مصر مثل محمد عطية الأبراشي وأنور الجندي وسعيد العريان، ودرس على الدكتور عزام وأحمد أمين وعباس محمود العقاد، وأعجب بشخصية مصطفى صادق الرافعي وعبقريته الأدبية (1).

حميمة

في

أما أبو إسحاق أطفيش المنفي إلى مصر فـ. فقد استقر بها منذ 1342 هـ / 1923 م، وأصبح الممثل الرسمي للإباضية من حينها إلى وفاته سنة 1386 هـ / 1966 م. وانطلق نشطاء ميدان التأليف والصحافة، فألف كتاب الدعاية إلى سبيل المؤمنين في 1342 هـ / 1923 م ثم أصدر مجلة المنهاج 1344 هـ / 1925 م. وكانت له علاقات واسعة وكبيرة وارتبط بصلات مع كبار العلماء أمثال الشيخ حسن البنا، والشيخ أحمد الباقوري وزير الأوقاف، والشيخ محب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية ورئيس تحرير جريدتي الفتح والزهراء، والشيخ الأزهري علي سرور الزنكلوني، والشيخ محمد الخضر حسين التونسي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ الداعية محمد رشيد رضا صاحب المنار، ومحمد حسين الذهبي الذي سلمه نسخة من تفسير هود بن محكم الهواري فاعتمدها الذهبي فيما كتب عن التفسير عند الإباضية، وخير الدين الزركلي، وأحمد زكي، ومفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، وقد شارك أبو إسحاق بدعوة من المفتي الحسيني في المؤتمر الإسلامي الأول للقدس عام 1350 هـ / 1931 م ممثلا للإباضية ولشمال إفريقيا، كما التقى الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الحر الدستوري التونسي ومحمد علي شقرون الصحافي التونسي، والشيخ محيي الدين القليبي الصحافي الذي حج 1366 هـ / 1947 م ثم استقر بمصر، وكانت مقالاته في الجرائد جريئة ونارية ووصف بالسرطان؛ لأنه ما اتصل بجريدة إلا عطلتها الحكومة (2)، وكان ثلاثتهم مقيمين بالقاهرة مناضلين لتحرير تونس من الاستعمار الفرنسي، وقد عانوا النفي والاغتراب وصنوف الأذى

وإن لم تلق إكراما فارتحل

فأرض الله واسعة الفضاء.

عمل أبو إسحاق بدار الكتب المصرية وارتبط بصلة وثيقة بالباحثين في موضوع الإباضية، وفي قسم المخطوطات، قدم للجميع خدمات كبيرة، وأجاب عن استفساراتهم،

(1) محمد صالح ناصر: محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ، دار البعث، قسنطينة الجزائر، ط 1، 1994 م، ص 9. (2) سليمان الجادوي: جريدة مرشد الأمة، العدد 14، ص 3.

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

وحافظ على مكتبة الوكالة من المصادرة والضياع (1). وقد تزوج الشيخ أبو إسحاق بسبعية بنت قاسم بن سعيد الشماخي التي أنجبت له أبناءه الخمسة (محمد والربيع وجابر وأفلح وسليمان وأختا لهم، وكانت زوجته الأولى ميزابية لم يرزق منها بأبناء، وكذلك تزوج ثالثة هي سعادة بنت سالم المعمري من، زنجبار، ولم يخلف منها أبناء، لكنه بهذه الزيجات وتلك المصاهرة متن العلاقة بين الجاليات الإباضية، كما زوج ابنه البكر من سعاد ابنة الحاج مهني بن داود الجربي، وابنه الثاني فاطمة بنت أحمد بن عمر بن عيسى التندميرتي العزابي الليبي، فازداد التآلف بين الأسر المهاجرة؛ لكن تناقص عددها أثر على استمرار هذا التصاهر بل وغلبت ظاهرة (التمصر) على الجيل الثاني فيندر أن نجد مغربيا تزوج بغير مصرية، فمنذ 1915 م / 1333 هـ سافر عميد أسرة بن قايد الشيخ عمر - وكان ضريرا - من والغ جربة إلى مصر، ومارس التجارة، وتوسعت عائلته لتبلغ بين أبناء وأحفاد قرابة الثلاثة آلاف فرد.

فضل البعض البقاء بالقاهرة والزواج من مصر، كما فعل سعيد بن عمر بن قايد حيث تزوج بسيادات ماهر صديقة جيهان السادات (؛ بينما آثرت قلة العودة إلى جربة والاستقرار بها والزواج من أهلها، كما فعل الدكتور حاتم بن قايد (3)، وكذلك الأمر مع أسرة بن داود؛ حيث تزوج الشيخ مهني من فاطمة عبد الله الباروني، وخلف منها ثلاثة ذكور مصطفى وعبد الحميد وصالح، وتزوج جميعهم بمصريات، وثلاث بنات هن: سميرة وسعاد وأم محمد حرص والدهم على تزويجهن بمغاربة فوفق مع سميرة تزوجت أحمد بن عمر بن عيسى العزابي، ومع سعاد تزوجت محمد بن إبراهيم أطفيش؛ بينما تزوجت الأخيرة مصريا هو عبد الرحمن الشرباصي. ولصالح عدة أبناء منهم خالد الذي حافظ على الجنسية التونسية، وبقي متعلقا بجربة وتزوج ابنة عمه، رغم إقامته بالقاهرة).

!

وقبل اقتران أبي إسحاق بزوجته من زنجبار كانت العلاقة بهذا الموطن حميمة خاصة بين عمان وشرق إفريقيا، وكذلك بين زنجبار والمغاربة بالقاهرة وإباضية المغرب. لقد كان موسم الحج فرصة للتعارف وربط الصلة، وتبادل الأخبار، والهدايا متمثلة في كتب مخطوطة ومطبوعة متعلقة بالإباضية خاصة، وكان للسلطان برغش الفضل في إنشاء مطبعة بزنجبار تولت طباعة عدد من آثار علماء إباضية المغرب كهيميان الزاد تفسير للإمام القطب وحاشية الترتيب للمحشي والجواهر للبرادي، إذ يذكر صاحب (جهينة الأخبار) أنها باقية إلى عهده

(1) محمد صالح ناصر، الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي، م س، ص 50 (2) مقابلة شخصية مع حميدة بن قايد في دكانه الغورية قرب دكان بن داود بتاريخ 2002/ 7/26 م. (3) مقابلة مع الشيخ محمد بن إسحاق أطفيش بسلطنة عمان في 2004/ 4/20 م. ومقابلة مع خالد بن داود بالقاهرة في

2002/ 7/20 م.

- 107 -

-1.7 -