الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٥٨

I

الوقف الجربي في م

قائمة بمهمتها (1).

لقد حافظت الجالية الجربية على عدة تقاليد أصيلة وعادات نبيلة حث عليها الإسلام وتربى عليها الجيل المغترب بمصر، من إفشاء السلام، والإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف وعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وتعزية المصابين، كما التزمت المرأة الجربية بملابسها البعيدة عن الإثارة والإغراء، والمحافظة على البساطة وتجنب الإسراف، وحرص الجميع على أن تنعم كل أسرة بالسعادة وكل فرد بالرخاء، فتنادوا إلى الكسب الحلال والتعوذ من العجز والكسل، والبعد عن الحيلة والجشع مستحضرين قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (2)، وعاملين بهدي معاذ بن جبل معلم الشام واليمن: (يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مرّ بنصيبك من الدنيا، فانتظمها، انتظاما، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا في خطر) (3).

واقتداء بالأشعريين النموذج الذي جسد الإيواء والتطبيق الأمثل للتآلف كما وصفهم صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو وفني زادهم، أو قل طعام عيالهم

(4)

في المدينة، جمعوا ما عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم). (1) إن الإيواء والتكافل بين أفراد الجالية قام على توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي المؤدي إلى الأمن الديني في المهجر، والقرآن يوجه إلى أن توافر الأمن المعيشي والاجتماعي يؤدي إلى عبادة الله وشكره: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بيْنكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (ه). أما الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤكد أن دوام النعمة بشكرها (إن لله أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرهم فيها ما بذلوها لغيرهم، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم) (1).

مور

إن آثار التنمية الاجتماعية لوكالة الجاموس ظلت بارزة في أفراد الجالية الجربية بمصر، تجسدت في التكافل العائلي وفي إخراج الزكاة وتوزيعها، وفي تنفيذ الوصايا، وفي رعاية (1) سعيد بن علي بن جمعة المغيري جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق محمد علي الصليبي، المطابع العالمية، سلطنة عمان، ط 3،

1415 هـ / 1994 م، ص 315، ب.

(2) سورة القصص آية 77. (3) ابن تيمية الفتاوي كتاب الجهاد، ج 2، ص 396.

(4) محمد البخاري: الجامع الصحيح، ج 2، م. س، باب الشركة في الطعام، كتاب الشركة، حديث رقم 2354، ص 880. (5) سورة إبراهيم آية 37.

(6) ابن أبي الدنيا: قضاء الحوائج تحقيق مجدي السيد ابراهيم مكتبة القرآن القاهرة، دون رقم طبعة، حديث رقم 5 -

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

الأوقاف التي ر رصدت لجهات البر المتنوعة، فأنفق ريعها على المساجد والمدارس، والمكتبات وفنادق المسافرين، ومصاريف طلبة العلم، ونفقات العلماء، (ومساعدات المعوزين، وعلى المقابر وقراءة القرآن واستمرت محققة النفع العميم للمجتمع والرعاية الواسعة للجالية، فلم تقتصر على إطعام جائع أو إسعاف مكروب؛ بل شملت هداية ضال، ومساعدة مكاتب، والتسديد عن غارم، وإنقاذ منقطع (ابن) (سبيل، وإكرام ضيف، وإعارة ماعون وكل ما ينتفع به، وتزويج غير القادر وإعفافه فضلا عن مواجهة الطوارئ، والتكاتف عند الملمات والأزمات. وأبواب الإنفاق تدور مع مواضع الحاجة، والأقربون أولى بالمعروف، والصدقة

تجارة رابحة.

- 1 +4 -

- 108 -