الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٥٩

الوقف الجربي في.

مصر

المبحث الرابع التنمية الاقتصادية

المطلب الأول: الجربي تربى على تنظيم حياته الاقتصادية

يعيش الجربي المغترب بالقاهرة حريصا على سلوك طريق النجاة بتطهير النفس ونهيها عن الشهوات قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (1) وهو رقيب على نفسه، ومرتهن بكسبه ومحاسب على عمله. وإن كان متأهلا فالأسرة لبنة تقوم على المودة بين أفرادها يتكافلون في الخير والشر، والمغنم والمغرم، والجهد، والجزاء، ويحرص في العلاقة مع الجالية أن يتقن عمله الخاص، ويرعى مصلحة الجماعة، وفي المقابل تلتزم الجماعة بحماية الضعيف فيها، فتحفظ لليتيم ماله حتى برشد وتؤمن للمحتاج كفايته، وتشجع الصدقة والبر المكتوم الذي يحفظ كرامة المعوز، ولا يتعالى به الواجد، والإسلام لا يقبل اليد المغلولة ا يرفض اليد المسرفة، ولا يقر العاطل، ولا يعترف بالمادي، فهو دين الوسطية والاعتدال والإيواء، والإيثار، والإنتاج، والتكافل.

كما

وقد تربى التاجر الجربي في جزيرته في محيط حلقة العزابة، وشاهد تنظيمها للحياة الاقتصادية للقرية، وتسييرها لشؤون التجار، فقد كانت تراقب عملية البيع والشراء، وتحارب الاحتكار والتطفيف، وتتابع الأسعار، وتفض النزاع، وتقوم بواجب الحسبة، فبقي وفيا لنظام الحسبة مبتعدا عن الغش، يقظ الضمير في كل معاملاته.

المطلب الثاني: دور الوكالة في تنمية حياة الجربي الاقتصادية كان لوقف وكالة الجاموس أثر كبير في التنمية الاقتصادية للجالية الحربية بمصر فقد كان مبنى الوكالة: (مدرسة ومكتبة، ومأوى، ودكاكين تجارية)، وكان لكل ذلك دخل وريع وتوسعة على العائلات المهاجرة؛ إذ تخفف على الفقراء نفقات الدراسة وشراء الكتب وكراء المسكن، بينما تدر الدكاكين الأرباح على أصحابها حسب نوع التجارة ومبلغ رأس المال وحجم الوقف على المشروع. وقد يتساءل البعض عن الجدوى الاقتصادية من المدرسة أو المكتبة؟ فالوقف يخسر على العملية التعليمية: رواتب للمدرسين، ومنحا للطلاب، وشراء للكتب، وكل ذلك استهلاك فأين العائد؟ يقول المتخصصون في المجال التربوي: إن التعليم ذو فائدة اقتصادية، والعملية التربوية في حقيقتها إنتاجية وليست استهلاكية فقط؛ لأنها تثمر وتخرج المهندس والطبيب والصيدلي والمحاسب والعالم بالشريعة … وهذه طاقات إنتاجية

(1) سورة الشمس آية 9 و 10.

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

في المستقبل البعيد للأمة. إن الخان أو الوكالة (الفندق) هو مأوى للمسافر، ومخزن للبضائع، ومكتب للشهود العدول يحررون فيه عقود البيع، والإيجار، ومحطة للسمسار والمنادي للتوسط بين البائع والمشتري، وتسويق البضاعة بالمزاد العلني، كما يمر به أمين لتسعير السلع والتأكد من سلامتها من الغش، وقد يحتاج فيه إلى مترجم يتولى التوفيق بين الأطراف.

?

-}}} -

-11 -