الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٦٠

الوقف الجربي في مصر

المبحث الخامس

مظاهر تحقيق الوقف للتنمية الاقتصادية

لم يكتف الإسلام بتشريع واجبات مالية على معتنقيه كالزكاة مثلا؛ بل شجع على العمل الخيري الذي يؤديه المسلم خدمة للأمة، لا يدفعه سوى ابتغاء الأجر عند الله؛ لذلك كان للأعمال الخيرية دور ملحوظ في التنمية الاقتصادية، فإذا ظهرت الحاجة إلى سد عوز أو " معالجة نقص سارع الأغنياء الأتقياء إلى وقف بعض أموالهم، وصرفها في وجوه البر تطوعا منهم، وبكامل إرادتهم لتحقيق مصلحة الجماعة، ويتميز الوقف بالاستمرارية حيث تحبس العين فلا يتصرف فيها ببيع أو إرث أو هبة، وينفق من المنفعة التي تكون دائمة بدوام العين.

إن التنمية الاقتصادية مقصد سام في المنهج الإسلامي، وقد بحثها المؤلفون القدامى تحت لفظ (عمارة الأرض)، وفسروا الآية الكريمة: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها) (1) بأن الله كلفكم بعمارتها وإحيائها.

(Y)،

ويقصد بالتنمية الاقتصادية توفير الفائض الاقتصادي واستخدامه في زيادة قدرات المجتمع الإنتاجية، وقد عبر القرآن الكريم عن الفائض بالعفو أو بالفضل {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (3)، ودعا إلى صرف ما زاد عن الحاجة أو الكفاية بغير سرف في سبيل الله ومصلحة المجتمع، واعتبر التبذير سرفا والترف إجراما، وقد كتب الإمام علي - كرم الله وجهه - كتابا إلى واليه على مصر. قال فيه: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بلا عمارة أخرب

البلاد). (3)

ومن خلال دراسة وثائق المغاربة في مصر سواء بالقاهرة أم الإسكندرية يظهر للمتفحص ضخامة رأس المال الذي تعاملوا به بيعا وشراء، كما يتعرف المتأمل على أنواع السلع التي تاجروا فيها ومدى رواجها، كما يطلع المتتبع لحجج المحكمة الشرعية على التركات التي خلفها المغاربة، والعقارات التي ملكوها أو وقفوها، والمهن التي مارسوها. وكانت معظم أوقاف التجار المغاربة عبارة عن منافع خلوات وأحكار حوانيت وقفوها على طلبة العلم برواق المغاربة بالجامع الأزهر؛ لكن الجربيين خصوا جاليتهم بوقف أجزاء من

(1) سورة هود جزء من آية 61. (2) سورة البقرة جزء من آية 219.

(3) السيد الشريف الرضي: نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، شرح الشيخ محمد عبده، مكتبة الأندلس، بيروت، ط 1، 1374 هـ / 1954 م، ص 617. وعنه: عبد الحق الشكيري: التنمية الاقتصادية في المنهج الإسلامي، قطر، ط 1،1408 ه ص 23.

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

وكالات أو دكاكين بسوق طولون أو التزامات أراض زراعية. ويوجد بقسم السجلات في وزارة الأوقاف ملف خاص يضم معظم حجج أ السادة المغاربة بمصر المحروسة وهو برقم 33629 (1).

أوقاف

من

كما يوجد بسجلات محكمة طولون توثيق لعديد من الوكالات التجارية لطائفة التجار المغاربة، ويهمنا ما كان مملوكا للجربيين الذين انتشروا في أسواق القاهرة، وكان لهم دور فاعل في تنمية أنشطة الوكالة، ومارسوا أنواعا شتى من التخصصات في تجارة السلع والبضائع المختلفة ومن أهمها:

المطلب الأول: تجارة زيت الزيتون، وجلود الجاموس

إن وكالة الزيت ببولاق القاهرة كانت تتبع منتجي وتجار الزيوت، وأكثرهم من تونس وطرابلس الغرب، ولا يمارس هذه المهنة غير مغربي، كما توجد وكالة للزيت بشارع الغورية، وأخرى بشارع باب الشعرية وهما مغربيتان. ومن أشهر الأسر الجربية المتاجرة في هذه السلعة الأساسية: عائلة مغار.

بن

وقد كان الخواجا عمر بن مغار الجربي رأس العائلة من أكبر تجار الزيت بالقاهرة، وتحديدا بوكالة الزيت ببولاق، واستمر أبناؤه بعده في نفس التجارة، واستطاع ابنه عيسى أن يكون ثروة ضخمة، اشترى بجزء منها عقارات واستثمر جزءا منها في التزامات الأراضي الزراعية، ووقف كثيرا من العقارات على أوجه البر. واشتهر من الأسرة أيضا الخواجا سعيد أحمد بن إبراهيم مغار الجربي (3)، كما تشير الوثائق أن هذه الأسرة أصبحت متنفذة اقتصاديا في. مصر ر في القرن الثامن عشر الميلادي / الثاني عشر الهجري مع بعض البيوتات الأخرى من المغرب كعائلة الشرايبي والسقاط. (3) أما بقية التجار الجربيين في الزيت فقد أطلق لقب الزيات على كل من مارس المهنة ونذكر منهم شيخ الزياتين المغاربة قاسم بن صالح والحاج مرزوق بن محمد بن عمر ا الزيات، ومصطفى بن الشيخ أبي بكر الزيات (4)، وقد تاجر الجربيون في هذه السلعة؛ لأنها منتج مغربي، يعرفون به في مصر ويروجونه بالمشرق، وكان بعضهم يورده بحرا من جزيرة جربة إلى ميناء الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة عبر الممرات

(1) إبراهيم البيومي غانم: الأوقاف والسياسة في مصر، دار الشروق، ط 1، القاهرة، 1419 هـ / 1998 م، ص 162. (2) انظر محكمة الباب العالي سجل 131، ص 142، مادة 534، تاريخ 11 شوال 1063 هـ / 4 سبتمبر 1653 م. (3) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم: المغاربة في مصر في العصر العثماني، م. س، ص 69، 71 (4) سالم بن يعقوب: من أصول تاريخ أهل جربة بمصر (مخطوط بحوزتي).

- 113 -

- 112 -