الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٦٢الوقف الجربي في مصر ريمون سبب تجمع المغاربة في حي طولون وسوقه إلى أن جامع ابن طولون كان نقطة جذب للحجيج المغاربة منذ عهد طويل، وأصبح للسوق والحي طابع مغربي واضح، ويذكر ريمون أن الخواجا يحيى بن عمر ماليو أنشأ وكالة كبيرة في سوق الأحرمة بطولون (1). كما تاجر أهل جربة في الأقمشة الهندية الحريرية والصوفية والملابس القطنية، واشتهر منهم الخواجا محمد بن صالح المغربي الجربي، والحاج أحمد بن يحيى الشهير بالشروني الجربي المتاجر بسوق طولون، والتاجر الخواجا الحاج مهني بن سعيد المغربي الجربي (2). كما امتد نشاطهم التجاري إلى ثغر الإسكندرية، فباعوا الكتان المصري والفرش المغربية والبرانس والشاشات والملاحف والأخفاف والشيلان والفوط والمحارم، وقد حدد هؤلاء التجار في مختلف التخصصات (البن، الزيت، الغلال الأقمشة) أجزاء من ربع تجاراتهم فوقفوها في سبيل الله على طلبة العلم بالوكالة، وعلى فقراء الجالية بمصر أو بجربة (3).
ومن حقهم علينا أن نشيد بذكرهم؛ لأنهم بناة قيم حضارية دعموا العلم، ورعوا طلابه المغتربين حتى أمسوا قناديل مضيئة على من حولها، لا تنقطع عنهم من الأبناء البررة الصالحين إمدادات الدعوات بواسع الرحمات ومغفرة الزلات (4). وقد يعرّف التاجر المهاجر بالإنتاج المغربي لترويجه بمصر مثل الصوف الذي ينبت على الحجارة في أقاصير البحر، ويستخرجه أهل جربة ويصنعون منه طيلسانا نادر النوع وباهظ الثمن بين السواد والحمرة. يذكر محمود مقديش أن حمودة باشا حاكم تونس من (1196 - 1229 هـ / 1782 - 1814 م)، يحب هذا النوع من الثياب ويطلبه منهم؛ ليلبسه عند تلقي وفود المهنئين بالعيد» (ه).
وتعرفنا الوثائق الوقفية بنوع الصادر والوارد من السلع والبضائع وملابس الناس في المناسبات، وتفيد في دراسة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وفي معرف رفة أسعار السلع ونسب الأرباح، وقياس مدى نشاط السوق، أو كساده وما يتعرض له من هزات تفقده الاستقرار. كما خلدت الوثائق أسماء بيوت تجارية مغربية كبيرة، وألقاب فئة كبار التجار وأعيانهم، وأكدت نفوذهم الواسع في عديد من الأسواق (طولون، الجملون، الشرب،
(1) أندريه ريمون: الأحياء السكنية للتجار بالقاهرة في القرنين 17 و 18 م، ضمن بحوث المؤتمر الخامس للدراسات العثمانية) المنعقد بالقاهرة، ص 31. (2) عبد الوهاب بكر: ملاحظات على الحياة الاقتصادية في ولاية مصر خلال القرنين 18 و 19 م، ص 300. (3) سالم بن يعقوب من أصول تاريخ أهل جربة (مخطوط) بحوزتي). المواقف الحاج عمر بن يحيى الشماخي وابنه عمر 1150 هـ
على طلبة وكالة البحار.
(4) حمو فخار: كان حديثا حسناء المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية التراث القرارة، الجزائر، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ص 10. (5) محمود مقديش: نزهة الأنظار، ج 2، ص 80.
الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية
السلاح، الصاغة، الفحامين، بولاق، الغورية)). كما رصدت الحجج الوقفية أنشطة الجربيين في الوكالات المملوكة للمغاربة مثل (وكالة سنان باشا، وكالة الزيت ببولاق، وكالة الجراكسة في البن، وكالة الكعكيين في العطور، وكالة السكر، وكالة المرجان، ووكالة الجاموس أو السادة الغوابية). المطلب الخامس: تجارة التزام الأراضي الزراعية
لم يقتصر التجار على هذه الأنواع من التخصصات بل قاموا بعمليات التوريد، والتصدير واستثمروا فائض أموالهم فاهتدوا إلى شراء العقارات للسكن أو للتجارة (كالوكالات والخانات)، كما دخلوا مجال التزام الأراضي الزراعية رهنا وإسقاطا، وهو تنازل عن حصة الالتزام أو جزء منها لشخص آخر بالبيع أو الرهن لمدة معينة أو للأبد على يد قاضي الشرع. فنتيجة للصراعات بين العسكريين في عهد العثمانيين، أحتاج بعضهم للأموال لإنفاقها على قواتهم الخاصة، فلجؤوا إلى التجار ليقترضوا منهم. فكان الأمير المملوكي يسقط أرضه لفائدة التاجر، ويتنازل عن التزام أرضه نظير المبلغ المقترض، وحتى تبقى الأرض بيده يقوم باستئجارها منه ثانية وتصبح قيمة الإيجار بمثابة الربح الذي تدره الأموال المقترضة باسم إسقاط الالتزامات. ويتم تسجيل عمليات الالتزام في الرزنامة الرسمية، وفي مزاد الديوان العالي، وقد يملك التاجر عديداً من الالتزامات في مناطق مختلفة دون أن يعاين موقعها أو يمارس سلطة فعلية على أرضه، لكن الجربيين يتفقدون إنتاج أراضي الالتزام ولا يكتفون بالتسجيل (2).
(2)
وبفحص السجلات يتبين أن الربح في المضاربة بين ما دفع لإسقاط الحصة وقيمة إيجارها يصل إلى عشرين في المائة (20) وهو رقم مربح جدا. ويستلم التاجر قيمة الإيجار (سالمة خالصة) من كل رسوم وضرائب، لذلك استهوت عمليات معفاة يعني الإسقاط والرهن العديد من طائفة التجار حتى اضطرت الرزنامة إلى تخصيص سجلات لإسقاط القرى (3).
وقد سجل دخول فئة التجار ميدان الالتزام حسب وثائق المحكمة الشرعية ومن خلال سجلات إسقاط القرى، وأفسح الصراع بين البيوت المملوكية المجال لدخول التجار ميدان
(1) محكمة طولون: سجل 202، ص 250، مادة 1018 بتاريخ 8 شعبان 11072 هـ / 22 مارس 1662 م. (2) سالم بن يعقوب: من أصول تاريخ أهل جربة مخطوط بحوزتي)، وانظر: الملاحق بن حديد، أراضي الجيزة). (3) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم المغاربة في مصر في العصر العثماني، م. س، ص 74
- 117 -
- 117 -
!