الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٧٧

الوقف الحربي في مصر

واجبه، فباشر التدريس بها حتى دعي إلى زيارة جربة، فلبي الطلب وطاب له المقام خاصة بعد إلحاح أهلها عليه للاستقرار بها وترحيبهم به وإكرامهم له، فاستجاب لدعوتهم وأقام بمدرسة جامع أبي مسور اليهراسني، يلقي الدروس ويزكي النفوس، فأقبل الجربيون عليه، مما شجعه على الانتظام بالجامع بعد أن تعطلت المدرسة بوفاة شيخها سليمان بن محمد الشماخي في الحج، وتسامع الإباضية بحلقته فهبوا للالتحاق بها من أطراف الجزيرة ومن جبل نفوسة حتى جاوز عدد الطلاب المائة. كما قام بمهمة خطيب الجمعة بجامع الشيخ بحومة السوق حيث كان يحضرها عامل الجزيرة من أسرة ابن عياد حاكم الجزيرة، وكان الشيخ ينصحه ويحذره من عاقبة الظلم، وذاع صيته في المناظرة بعد أن مر بجربة الشيخ المصري أحمد السناري فوجده متبحرا في المنطق قوي، الحجة، واعترف له بسعة العلم والتفوق.

ويعد المؤسس الحقيقي للمكتبة البارونية بجربة؛ فإلى جانب الكتب التي اشتراها ونسخها بوكالة الجاموس ثم عاد بها إلى جربة فصارت نواة للمكتبة البارونية، فقد ضم إليها كتبه التي جلبها من جبل نفوسة، ثم نماها بشراء مكتبة قريبه الشيخ موسى بن علي الباروني، وتوارثها أبناؤه من بعده، واستمروا على رعايتها، وإثرائها ولا تزال زاخرة بالمخطوطات إلى الآن بفضل الله.

وقد كان مرجعا للفتوى في زمانه، وتحمل مسؤولية العزابة وواجهته صعوبات جمة، كما يذكر تلميذه سعيد بن تعاريت الصدغياني بسبب اختلاف الكلمة، والاعتداد بالرأي يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه) (1). ولم يثبت أنه خلف مصنفات، لكنه ربي رجالا حملوا المشعل من بعده ومن أهم تلاميذه: أبو العباس أحمد بن سليمان الباروني، وأبو زكرياء يحيى بن عمر الباروني، وسعيد بن أيوب الباروني وسعيد بن علي بن تعاريت الجربي الصدغياني وغيرهم. وبعد جهاد في التدريس، وخدمة العلم، ونسخ الكتب، وتوفيرها قضى الشيخ سعيد سنة 1282 هـ / 1868 م ودفن بمقبرة الأسرة بجوار الجامع الكبير بالحشان حيث يرقد الشيخ الجيطالي والنميلي والمصعبي). 12 - الشيخ عبدالله بن يحيى الباروني: (و 1236 هـ / 1820 م -ت 1331 هـ / 1913 م): (مدرّس بالوكالة ومتصدّر لمجالس العلم في بلاده)

5452، ص 486.

(2)

(1) سليمان بن أحمد الطبراني: المعجم الأوسط، المجلد 5، دار الحديث القاهرة، ط 1، 1996 م، باب من اسمه محمد حديث رقم (2) الجيطالي هو الشيخ إسماعيل صاحب القواعد والقناطر، والمصعبي سبقت ترجمته.

الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية

ولد (أبو (سليمان في قرية كاباو بالجبل الغربي من نفوسة بليبيا في سنة 1236 هـ / 1820 م تقريبا وذلك بالاعتماد على تعليق للشيخ أطفيش يثني به على الباروني .. هو عالم ووارع نفوسة، وأظنه تربي والمعلوم أن تاريخ ميلاد الشيخ أطفيش كما حدده المؤرخ الجزائري الشيخ دبوز هو 1236 هـ / 1820 م. (1) وليس بين أيدينا ما يميط اللثام عن فترة صباه وطفولته ولا عن بدايات دراسته إلا ما أشارت إليه مذكرات يوسف بن أيوب الباروني أن كتابا في كاباو كان يعلّم فيه القرآن إبان طفولة الشيخ عبد الله ولعله شرع في تلقي العلوم فيه، وتنقل في قرى الجبل يشبع طموحه ويروي غليله، ثم سافر إلى جربة بتونس في سن مبكرة، واستقى منها ما يتناسب مع مستواه العقلي وانتظم في حلقات العلم بالجامع الكبير، وأتيح له أن يأخذ شيئا من علومها العقلية والنقلية.

ومن أبرز شيوخه الذين أثروا في تكوينه وبناء شخصيته شيخه أبو عثمان سعيد بن عيسى الباروني نزيل جربة. ثم انتقل الشيخ عبد الله إلى القاهرة ليرتشف من مناهل العلم بالأزهر الشريف، وليلتحق بمدرسة وكالة الجاموس التي تعج بالطلاب من جربة وجبل نفوسة وميزاب

وقد كان من أقرب رفاق دراسته الشيخ سعيد بن قاسم الشماخي، والشيخ أبو زكرياء يحيى بن أيوب الباروني الكاباوي، ولم تشر المصادر إلى مدة استقرار الشيخ بمصر كما لم تفصل القول عن شيوخه هناك سوى ما ذكره صديقه سعيد الشماخي في قصيدة يثني فيها على شيخهما إبراهيم السقا الذي سماه البحر: بأخصب ربع قد مضى حقب لنا بأزهر مصر والزمان مرونقا نغوص على در المعاني ونجتني ثمار رياض السعد من بحرنا السقا كما نجد إشارة صريحة في ديوان الباروني إلى أنه بعد تشبعه بالتحصيل، واكتمال ملكاته وأدواته قام بأعباء التدريس، وتصدى لتعليم الطلبة المبتدئين، واحتل مجلس الموجه والمربي لمن دونه، فقد نظم قصيدة بمناسبة ختم تدريسه لكتاب النيل مع طلبته بوكالة الجاموس

فقال:

وأجـ ل الأيام عندي سرورا وحبورا وبهجة وجمالا يوم ختم، نيل المعاني يه نلت المنى وتهت دلالا

(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، م. س، ص 289

- \ {V -

-187 -