الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٧٨

الوقف الجربي في مصر ويلاحظ على أشعاره الشكوى من الاغتراب والحنين إلى الوطن مما يشير إلى طول مدة إقامته بمصر، مستكملا للدراسة بالأزهر ثم معلما بالمدرسة الإباضية، ثم ختم رحلته المشرقية بأداء فريضة الحج، ورجع إلى بلاده ليطبق منهجه الإصلاحي، وينشر العلم الشرعي، بدءا بالقرآن الكريم، وارتقاء بأذهان الطلاب تدريجيا إلى دراسة الكتب المتقدمة المتناسبة مع قرائحهم وفهمهم. ومن أكثر الطلبة استفادة من علم الشيخ: أبناؤه الثلاثة سليمان، ويحيى، وأحمد، والشاعر الأديب عمرو بن عيسى التندميرتي، وسليمان الجادوي الأجيمي الجربي

(1)

صاحب جريدة مرشد الأمة، وأبو زكرياء يحيى بن عيسى الباروني، وغيرهم كثير) 13 - الشيخ سعيد بيك بن قاسم الشماخي: قنصل) تونس بمصر، وواقف للكتب والأموال)

العائلة

ساعد أبو قاسم الشماخي رفيق دربه الباروني في الاهتمام بطلبة الوكالة رعاية وتربية وتوفيرا للكتب، وكانا زميلين في الأزهر الشريف، وتعتبر أسرة الشماخي عائلة عريقة بجبل نفوسة برز منها الشيخ أبو ساكن عامر بن علي الشماخي (ت 792 هـ / 1389 م)، والشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي (ت 928 هـ / 1429 م) والظاهر أن فرعا من هاجر إلى جربة وآثر اتخاذها موطنا، فاستقر البعض بقرية، آجيم، والبعض الآخر في قرية القشعيين. و تسكت المصادر عن تاريخ مولد الشيخ سعيد ومكانه وفترة طفولته ونشأته، لكن الراجح أنه جربي؛ ب؛ لأنه عين قنصلا لتونس في مصر ووكيلا عاما للدولة التونسية يهتم بأفراد الجالية وشؤونها الاقتصادية والسياسية، ولن تختار تونس ممثلا لها من غير رعاياها، وتتمثل مهمة القنصل في رعاية حقوق دولته وتجارتها والدفاع عن رعيتها لدى الدولة الأخرى، فمرتبته دون الوزير المفوض، وأقل من مرتبة السفير. إنه تمثيل تجاري، وسياسي، وقانوني.

واشتهر بالجمع بين الإقبال على طلب العلم بالأزهر، وبين الاهتمام بالسياسة بحكم منصبه كقنصل، كما عرف بمواقفه المعارضة للثورة العرابية واتخذه الخديوي توفيق باشا مستشارا، ورافق بالقاهرة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني فدرسا معا في الأزهر وفي مدرسة الوكالة بطولون، وقد أرسل خطابا يتذكر فيه تلك الأيام الحلوة فقال:

وأكمام روض نوره يتفتح بطولون طورا نقتطف زهر ديننا وبالأزهر المعمور طورا نحاول كنوز معان السعد تأبى فتنجح

وكان شديد العارضة قوي الإرادة مهابا، وتربطه علاقات جيدة برجالات مصر وبعدد من (1) علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج 2، م. س، ص 131، وانظر: محمد مسعود جبران: الشيخ عبد الله الباروني/ دراسة في أخباره وآثاره كلية اللغات، جامعة الفاتح، طرابلس.

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

علماء الإباضية مثل الشيخ إبراهيم بن بكير حفار، والشيخ صالح بن عمر لعلي، ومحمد

بن ناصر العلوي. ولم يتول الشيخ سعيد التدريس، لكنه وقف الكتب والأموال على طلبة الوكالة، ومما وقف حاشية المصعبي على النونية التي كتبها جده سليمان بن محمد الشماخي واقترح إنشاء مطبعة بالقاهرة يخصص ريعها لإنفاقه على الطلبة، كما خطط لإحداث مرحلة للدراسات العليا يكمل فيها الإباضية تعليمهم بمصر، لكن المشروع الطموح لم يتحقق، وقد توفي بمصر دون أن يعترف بالاستعمار الفرنسي لتونس وذلك أوائل القرن الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي (1).

14 - الشيخ محمد بن يوسف الباروني: (صاحب المطبعة البارونية، وناظر بوكالة الجاموس)

لم يتخلف عن تنمية النشاط الثقافي بالوكالة إشرافا وتوعية وطباعة لكل نافع من الكنوز المخطوطة، والإصدارات المفيدة، وأصل العائلة البارونية من عُمان كما يذكر الشيخ سليمان باشا الباروني، ثم استقرت بجبل نفوسة، ونظرا لقرب جزيرة جربة من الجبل فقد دأبت بعض الأسر على التنقل بينهما، وطاب المقام لبعضها ففضلت الاستقرار بالجزيرة، فمنذ القرن العاشر نجد محمد بن زكرياء الباروني (ت 997 هـ / 1589 م) القلعاوي سكنا، اليفرني: نشأة، يسافر إلى جربة ليدرس بها ويؤلف (نسبة الدين) نظما ونثرا و (رسالة احتلال الأسبان الجربة) (2)، ونجد عيسى بن قاسم الباروني يتلقى العلم على يوسف المصعبي في القرن الثاني عشر الهجري، كما نجد أبا عثمان سعيد بن عيسى الباروني مؤسس المكتبة البارونية بجربة في القرن الثالث عشر الهجري يستقر بها.

أما الشيخ محمد فقد ولد بجبل نفوسة بليبيا وتلقى العلم عن والده يوسف وغيره من شيوخ نفوسة في القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي، ثم ارتحل إلى القاهرة ليزداد في تحصيل علم المعقول المقرر بالأزهر الشريف. وهناك أسس المطبعة البارونية الكائنة بشارع الجدرية بمصر المحروسة المحمية، والتي أثرت المكتبة الإسلامية بطبع أمهات المصادر الإباضية (3). وأفادني الدكتور محمد علي حنبولة نقلا عن الشيخ عبد الله الفرسطائي الذي كان. بوكالة الجاموس من (1937 م إلى (1952 (4) أن الشيخ محمد الباروني صاحب

(1) مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضية، ج 3، ترجمة رقم 406، ص 381 و 382. (2) المرجع نفسه: ج 4، ترجمة رقم 816، ص 789 و 790 (3) المرجع نفسه: ج 4، ترجمة 860، ص 832 و 833.

(4) محمد علي حنبولة: رسالة جوابية بتاريخ 2003/ 8/19 م، (بحوزتي).

- 1 EA -