الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٨٦الوقف الجربي في مصر لقد كان التعليم والسكن الداخلي مجانا، وكل رواتب العاملين في الحقل التعليمي مضمونة من الأوقاف الجميع يأكل مع الضيوف والمسافرين مرتين كل يوم في العمارات
التابعة للوقف.
ولم يكن رواق المغاربة الوحيد في الأزهر؛ بل تعددت الأروقة بحسب الجاليات فكان للشوام رواقهم، وللأتراك رواقهم، وللفيمة (أهل الفيوم) رواقهم، وللصعايدة (أهل الصعيد) رواقهم، ولأهل الدكرور رواقهم. ومن أراد من الطلاب الإقامة بالرواق سجل اسمه في قائمة المنتظرين حتى يخلو مكان طالب أنهى دراسته مصريا كان أو وافدا مختربا؛ لكن العدالة نادرة والوساطة للأقارب قائمة حتى كثرت الشكوى من تلك الحالة المتردية.
أما الجربيون فكانت استفادتهم من رواق المغاربة منحصرة في ارتياد المكتبة ومذاكرة الدروس والرجوع إلى المصادر غير المتوافرة بمكتبة الوكالة، ونظرا لسنة المد والجزر التي تخضع لها كل تجربة وقفية فقد تسوء حالة الرواق، وتنكمش أوقافه، أو يكثر المستفيدون من الريع فتتأثر وضعية الطلاب المادية والدراسية؛ إذ تشير إحدى الوثائق إلى أن «وضعية الطلاب في رواق المغاربة تثير الشفقة حقيقة، وتستدعي تقديم المساعدة، ووصل الأمر بفرنسا أن تتجسس على الطلبة المغاربة بالقاهرة، وحتى على الحجاج في أدق أماكن أداء شعائرهم حماية لهم من عدوى (المشاغبين والمتعصبين) في الحرمين الشريفين، وفي القاهرة ورغم الإغراءات المعروضة ومحاولة التدجين فشلت فرنسا في حربها المعلنة والخفية على الطلاب المغاربة بالقاهرة. ورغم ما وصل إليه الأزهر من حاجة ملحة للإصلاح في عهد محمد عبده وبقائه مؤسسة تقليدية تلقن الحواشي والمتون والزوائد، فقد كانت السلطات الاستعمارية ورجال المخابرات الفرنسية تحسب له ألف حساب» (1). لقد كان الجربيون يعرفون أنشطة الرواق ويشاركون بالحضور في فعالياتها ويقدرون إشعاع الأزهر الفكري والمعرفي وامتداده في طول البلاد وعرضها، لذلك أقبلوا على الحلقات المقامة بالرواق وانكبوا على نسخ الكتب والمخطوطات وارتبطوا بعلاقات مودة مع المجاورين، يكدرها أحيانا نقاش حاد حول ول مسألة خلافية، أو تعصب مذهبي لا يخلو منه عصر أو قطر. ويجد المجاور الجديد صعوبة في الانسجام مع زملائه، وقلما يأتي طالب بلا زاد ولا مال من أهله، لكن شيخ الرواق يبصره بواجباته وحقوقه ويطالبه بمراعاتها؛ فلا خروج عن دائرة الاستقامة، ولا تأخير في الرسوم ولا إضرار بالمجاورين ويرشده إلى آداب التعليم والمتون المحفوظة
(1) انظر وثيقة … c.a.o.m.g حول الوضعية الاجتماعية وأسلوب معيشة طلاب رواق المغاربة بعنوان - maghr bina l universite d el azhar وانظر مجلة الموافقات عدد محرم 1416 هـ / جوان 1995 م، ص 370
الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية
وأثمان الكتب والتزام النظام والنظافة، وليس لشيخ الرواق طرد مجاور إلا بعد استحقاق وإثر تنبيهات، ولا إيقاف مرتبه إلا بعد تحقق ولا عقوبة إلا بعد تثبت.
6
تتابع النظار ومشايخ الوكالة في توجيه الطلبة إلى المواظبة على الصلاة في المسجد واستغلال أوقات الفراغ في المطالعة الهادفة والمذاكرة الجادة، وكانوا ينصحون بقصد الأزهر فهو الأنسب للعبادة وطلب العلم، ولئن كان جامع ابن طولون أقرب للوكالة؛ لكنه شبه مهجور ولا تتوفر فيه مكتبة عامرة بالكتب.
ونظرة إلى قائمة النظار التي حفظتها بعض المصادر الإباضية تؤكد حرصهم على دعوة الطلبة إلى الإفادة من رواق المغاربة ومكتبته والمجاورة بالأزهر، وهم أول من يواظب على ذلك ليقتدي بهم أفراد الجالية الجربية. كما حافظ النظار على أوقاف الجربيين وتركاتهم، ونفذوا وصايا موتاهم مثلما أشارت إلى ذلك عديد الوثائق: ففي سنة 1140 هـ / 1728 م أصبح سعيد بن محمد الصدغياني شيخا للمغاربة بطولون، وتولى النظر على الوكالة، وفي سنة 1149 هـ / 1737 م تولى الحاج عبد السلام بن سيفاو القطرسي الجربي - وهو تاجر - مسؤولية النظارة على تركة
عمر بن يحيى الشماخي، وتنفيذ وصيته.
- وفي سنة 1157 هـ / 1761 م اختير مسعود بن سليمان بن حديد الجربي شيخا للطلبة وكلف بنظارة أملاك الوكالة.
- وفي سنة 1175 هـ / 1744 م تولى نظارة الوكالة الشيخ سليمان بن إبراهيم
المصعبي.
1275 هـ
- وفي القرن الثالث عشر الهجري كان الناظر الشيخ محمد بن أبي القاسم الصدغياني في 1205 هـ / 1791 م، ثم تلاه الشيخ يونس بن أحمد بن أبي بين 1230 هـ / 1815 م - إلى 1273 هـ / 1857 م، ويأتي بعده الشيخ سعيد بيك بن قاسم الشماخي - وهو وكيل الدولة التونسية بمصر - فيتولي النظر من إلى 1300 هـ / 1883 م، وقد اتخذ وكلاء يساعدونه في استخلاص مبالغ الإيجار مثل: الشيخ سليمان بن أبي بكر الباروني، والشيخ سليمان بن عياد الباروني والشيخ قاسم بن صالح الكاباوي، ثم الشيخ محمد بن يوسف الباروني الذي استمر في النظارة إلى أن توفي سنة 1332 هـ / 1914 م، و تحمل بعده النظارة عمر بن عيسى
- 170 -
- 178 -