الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٩٢الوقف الجربي في مصر البعض فهو صاحب سخاء، ومن أعطى الأكثر فهو صاحب جود، ومن أثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب إيثار، ومن تبرع بالمعروف قبل السؤال فهو صاحب كرم. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أجود من الريح المرسلة، وأسخى من البحر إذا زخر») (1).
إن المال قوة هائلة تخرق كل صلب يسود بها الغريب في غير عشيرته، وهو ما تحقق للمغاربة في مصر بالكسب الحلال المشروع، فتكافلوا بينهم وتصدقوا على المحتاجين من طلاب وعمال ويتامى وأرامل، ولم ينحصر العون المادي في الأقارب؛ بل توسع ليشمل رابطة الدين والوطن والمذهب، وراعى الأولويات؛ لكنه أدخل تحت مظلته المستحق؛ «فاستغنى الطالب وتوجه إلى دراسته يبتغي العلم وحده يتبلغ بخبز الجراية، وينام على حصير الرواق، ويقرأ على سراج الزيت لا ينقطع عن التحصيل من مطلع الفجر إلى ما بعد العشاء، راض نفسه على القناعة وألزمها الرضا (2)، فوفق في دراسته وأصبح منذرا في أهله يقبلون عليه، ويشمون فيه عبق الأزهر والوكالة، ويتبركون بملكته الفقهية المشرقية، واتسع التكافل ليضم الجاليات المغربية، ولم يقتصر على الأفراد، وتحقق التصاهر والتآلف بين المصريين أهل البلد وبين المغاربة الوافدين، وقد سبقت الإشارة بالوثائق إلى عدد من الحالات ومظاهر التكافل المادي والاجتماعي، وتمكن بعض التجار من الإثراء الوافر حتى) استدان منهم السلاطين في الأزمات، وفرضت عليهم الضرائب العالية في الحروب، وتفاوتت أعداد التجار المغاربة في عهد العثمانيين بمصر بحسب قانون الطرد والجذب؛ لكن الاطمئنان بها شجع الطائفة على الاستقرار رغبة في الكسب وتحقيق مشروع مربح؛ إذ يمكن للتاجر الإقامة رغم أنه لا يملك رأسمال ثابت، ويكفيه أن يكون وكيلا لبيت تجاري فينتظم في السوق ويتقيد بالالتزامات في الطائفة ومع الناس حتى يكسب ثقة الجميع، ويعد سوق طولون ومحكمته تعامله مع شيخ. الموضع المحبب للجربيين يمارسون فيه نشاطهم، ويوثقون فيه أملاكهم وعقودهم، وصكوك وقفهم، ووصاياهم وجل معاملاتهم المالية الكثيرة المتعلقة بالعقارات والأراضي، والعبيد والسفن في مصر بمختلف مدنها وفي بلاد المغرب. المطلب الثاني: الخريجون
عبر
أربعة قرون من النشاط تخرج من الوكالة عدد كبير من الطلبة تفاوتت مستوياتهم،
(1) أحمد العماري: نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار: المغرب نموذجا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طا، 1417 هـ / 1997 م، ص 426. (2) علي الطنطاوي: في سبيل الإصلاح، نشر وتوزيع مكتبة المنارة مكة، طبع دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 2، 1408 هـ / 1987 م،
ص 77 وما بعدها.
الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية
وترك جميعهم بصمة بارزة وأثرا فاعلا في محيط الوكالة وفي الجهة التي ينتمي إليها الطالب (الجزيرة الجبل الوادي). لمع نجم بعضهم فاستوعب مقررات الأزهر من علم المعقول والمنقول، وتوصل غيره إلى التصدي للتدريس بهذا الجامع، واكتفى البعض بالإشعاع في محيط وكالة الجاموس، فدرّس بها واحتفل بختم تدريس كتاب النيل كالشيخ عبد الله ـ بن يحيى الباروني)، بينما عاد آخرون إلى مواطنهم؛ ليمارسوا أداء الواجب بين أهلهم، ويتصدروا مجالس العلم، ويتولوا مسؤولية أعضاء العزابة الفاعلة والمناسبة لتخصصهم وكفاءتهم فقد أيقظ المصعبي جزيرة جربة بعد أن ساد بها الجهل، وأنعش الباروني جبل نفوسة بمدرسته وإرشاداته في المحافل، وقضى يحيى بن صالح الأفضلي على البدع والانحطاط في وادي ميزاب وتفرغ آخرون للتأليف، فأبدعوا مصنفات في مختلف الفنون، وقد عرضت نماذج كثيرة من آثارهم فيما سبق، وتخصص بعضهم في نسخ الكتب وجمع المخطوطات، ليستفاد منها في مكتبة الوكالة، وعاد بعضهم بمنسوخاته إلى مسقط رأسه لتكون نواة لمكتبة هامة ثرية بالمخطوطات النادرة والمتعلقة خاصة بالإباضية كالمكتبة البارونية بجربة، ومكتبة بن يعقوب بغيزن، ومكتبة آل افضل بين يسجن).
أما الطباعة فقد قيل في التنويه بأهمية دورها: «إن الذي تحبره اليد من المسطورات لا يؤثر في عقول الجمهور كما يؤثر المطبوع .. إنما الطباعة خاتم السلطة». وقد اقتحم مجالها من رجال الوكالة: محمد بن يوسف الباروني صاحب المطبعة البارونية التي نشطت في طباعة كنوز من التراث الإباضي سبقت الإشارة إليها، وسليمان باشا الباروني مؤسس مطبعة الأزهار البارونية والتي لم تعمر طويلا حيث لم تتجاوز إقامة الباروني نفسه. سنوات؛ لكنه أنجز الكثير وأخرج عددا من الإصدارات النافعة منها المخطوط الذي يسره للباحثين ومنها التأليف المعاصرة المواكبة المستجدات عصره.
مصر
الثلاث
كما انتبه لأهمية الطباعة الشيخ سعيد بن قاسم الشماخي، فعزم على إقامة (دار الطباعة) بالقاهرة: (أما وقد عزمت بمشيئة الله وتوفيقه ومؤازرة السادات الإباضية على إقامة (دار الطباعة الإباضية بمصر، يخصص ريعها للإنفاق على طلبة العلم الإباضيين بنسبة الربع مما تنتجه دار الطباعة)) (2
(2)
وفي مجال الصحافة - السلطة الرابعة وصاحبة الجلالة - تفطن بعض خريجي الوكالة
(1) أبو القاسم الباروني: حياة سليمان باشا الباروني زعيم المجاهدين الطرابلسيين، القاهرة، ط 2، 1367 هـ / 1948 م، ص 6. القائل (2) انظر: نص جواب سعيد الشماخي للشيخ إبراهيم بن بكير (مخطوط بحوزتي كله الملحق رقم 1).
هو نابليون بونابرت
177 -
- 1 VT-