الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٩٥

الوقف الجربي في مصر في مسقط الرأس بعد العودة، وانتشرت المؤلفات الإباضية، ولم يعد الإباضية يخفون كتبهم

عن خصومهم خشية من ألسنتهم، كما لاحظ ذلك المؤلف ابن النديم في زمانه (1) وبرزت ظاهرة الجمود في أواخر الدولة العثمانية بمصر، فتوارثها المتعصبون من كل فرقة، ورفضوا الإصلاح، وحرصوا على إقفال باب الاجتهاد، ولم يسلم قطر من العصبية والجمود والطعن وكان الأزهر ميدانا رحبا للصراعات المذهبية، والجدال والردود، كل طائفة تناصر مذهبها، واستوجب التهجم من جهة، دفاعا وردا في المقابل من جهة أخرى (2)؛ لكن الأوقاف أتاحت ثقافة عامة لأكبر عدد من عموم الناس بالدروس المفتوحة والمكتبات العامة التي توفر مصادر المعرفة لروادها وتحافظ على مخطوطات التراث، فلا بد من حسن توظيفها لتستمر معلما لرقي الأمة الحضاري.

المبحث الثاني

الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية

أسباب تراجع الوقف عن أداء دوره

دام وقف وكالة الجاموس ما يزيد عن أربعة قرون، أشرف عليه في أول الأمر الواقف نفسه (أسرة البحار) ثم (أسرة الجملي) وتم التقيد بشروط الواقفين، فدر الوقف غلته ووزع ريعه في مصارفه المستحقة وتمتعت الجالية ببركة الوقف وكل أمر ينطلق في بدايته مبشرا بالتحسن فإذا بلغ مرتبة التمام تراجع ونقص كما قال أبو البقاء الرندي:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

وككل تجربة وقفية آلت وكالة الجاموس بعد عطاء مثمر يقوى ويضعف، إلى الاندثار وتوقف المسيرة، وأسباب تراجع هذا الوقف عن أداء دوره عديدة من أهمها:

المطلب الأول: التساهل في شروط الواقف

قاعدة (شرط الواقف كنص الشارع) ملزمة للواقف نفسه وللناظر أو الوكيل من بعده ولكل من ولي مسؤولية الوقف تنفيذا لوصية أو توزيعا لريع أو استبدالا لمنفعة. فالجميع مطالب بالتقيد والالتزام بما شرطه صاحب الحبس مع تحري المرونة ومراعاة المصلحة العامة لكل الأطراف، فإذا تعمد الناظر مخالفة شرط الواقف وحول نصيبا من الريع عن مستحقه إلى أحد قرابته فهو تلاعب يؤدي إلى ضياع حق المستحق وجشع غيره، فإذا تنازل الناظر عن شرط تبعه تساهل في غيره حتى يحرم أهل الوقف ويستحوذ على ريعه الأجانب. ففي القرن الثاني عشر الهجري أشفق الناظر سليمان بن سامي) وشيخ طائفة التجار بطولون، على أحد الجربيين من غير الإباضية (حسن النويري فآواه بالوكالة وأحسن إليه وعامله كأحد أفرادها، لكنه قابل النعمة بالكفران ووشى بالأصحاب إلى السلطة العثمانية، وزعم أن سكان الوكالة من أعداء الأتراك، فتعرض الوكيل إلى سجن وغرامة أثرت سلبا على نشاط الوكالة وأدائها، كما حدد الواقف مستحقي الوقف في شريحة طلبة العلم الحملة لكتاب الله، وبمرور الزمن لم يعد الشرط معتبرا، واكتفى الناظر بثبوت انتماء الوافد إلى جربة طالبا أو عاملا لتفتح له أبواب الوكالة ويستحق التمتع بريعها. (1) كما يؤدي فساد الذمة وسوء الإدارة إلى تحويل الوقف إلى ملك خاص أو تفتيته، ومن صور ال الفساد بمخالفة شرط الواقف تقديم القرابة في منصب الإشراف على أصحاب الكفاءة، فقد يتوالى على منصب

- 183 -

(1) ابن النديم الفهرست، القاهرة، ط 1، 1348 هـ، ص 258.

(2) الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش: رسالة أن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري، طبعة حجرية بحوزتي، كمثال للردود.

(1) إبراهيم بيحمان: الرحلة الحجازية، (مخطوط)، ص 3.

- JAY-