الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٩٦الوقف الجربي في مع مصر النظارة أفراد من نفس العائلة (الباروني) مثلا، وتتفاوت مواصفات حسن التسيير من ناظر لآخر، ورغم عدم توافر أدلة على فساد مالي أو إداري لكن الفشل في التدبير سائد لفترات
طويلة من عمر الوقف.
المطلب الثاني: إخفاق الناظر في التسيير، وانحرافه
قد تكون إيرادات الوقف ضخمة لكن التصرف فيها مفرط في التسيب وعدم النجاعة، فالناظر لا رقيب عليه ماليا ولا إداريا، والتزامات الأراضي بعيدة بولاية الجيزة (الخيزرانية والطالبية))، (1) ولم تسعف الوثائق بتحديد مساحاتها، ومتابعتها المباشرة مرهقة، فيكتفي الناظر بما ينقل له ويعطى إياه دون تدقيق أو محاسبة، و من المستبعد أن يتعمد أحد نظار الوكالة التلاعب، والتحايل على قانونية الالتزام بالوقف، أو تعديل موارده لأغراض شخصية، كما يفعل بعض المنحرفين من النظار أو الولاة (3) أو علماء السوء، فيبيع الحبس ويسجله باسمه مستغلا نفوذه الديني أو السياسي، فيضع يده على ملكية موقوفة بطرق ملتوية؛ لتتكون له ثروة ضخمة بوجه غير مشروع، وقد يقيم الناظر مآدب كبيرة بمناسبة رمضان أو موسـ موسم الحج إكراما لضيوف الرحمن فتتبدد الأموال.
عانت إدارة وكالة الجاموس من روتين وتسيب وفساد في جهازها الإداري كغيرها من المؤسسات الوقفية، حيث يتدنى مستوى الخدمات المقدمة للمستحق وتضيع موارد كبيرة، لكن نهب المال لم تقم عليه حجة إلى آخر أيام الوكالة، ورغم فقر بعض النظار لكن التقوى والعفة عصمتهم من استباحة شيء من خيرات الوقف؛ بينما إذا استولت الدولة الوطنية على الوقف أو صادرته استغلته، ولم تتورع عن إنكار حق أي مستحق، فتكون أسوأ من الاستعمار الذي ينهب أموال الوقف؛ لأنه عدو يتوقع منه الاستيلاء على ثروات الأمة واستغلالها. وتبعا لانهيار الوكالة كمؤسسة وقفية فقد توقف التعليم المرتبط بها لقيامه على مساعدات من ريعها، فتضاءل عدد الطلاب المنتسبين لها (3)، وانحصر الأمر في اتخاذها سكنا خاصة في أزمة العدوان الثلاثي على مصر 1376 هـ / 1956 م حيث أغلقت الجامعات وأحياؤها السكنية، فلجأ بعض الطلبة المغاربة إلى الوكالة وسكنوا بها مؤقتا؛ كالليبيين: محمد علي حنبولة (زوارة) وبلقاسم يحيى الباروني (جبل نفوسة)، والجزائريين: إبراهيم فخار (غرداية)،
(1) وثيقة 55 سجل الديوان العالي، (1)، ص (17)، مادة (30). وانظر الملحق (عبد الرحيم: وثائق المغاربة). (2) عبد الجليل التميمي، البناء المؤسسي للوقف في بلدان المغرب العربي، ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي»، مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بالكويت، ص 511.
(3) رسالة محمد حنبولة، آخر متخرج من الوكالة (بحوزتي). ومقابلة مع الدكتور الجون بمسقط في شهر يناير 2003 م.
الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية
و محمد صالح الجون (القرارة)، ومحمد بن سعيد شريفي (القرارة)، والتونسي حميدة بن سالم الجبالي (آجيم جربة).
المطلب الثالث: غياب الربط بين الفكر والممارسة في عمل وكالة الجاموس كانت رغبة الواقف (الجملي) خدمة الجالية الجربية خاصة والإباضية عامة، وتيسير طلب العلم لقاصده، ومساعدة الوافد للمتاجرة، فأقام ذلك الصرح ليأوي إليه الطالب والتاجر عند وصوله مصر حتى يجد مستقرا واستمر العمل بهذه الفكرة في حياة الواقف، وبعد وفاته خلفه على رأس الوكالة ناظر لم ينفرد بالأمر؛ بل تشاور سكان الوكالة وشيوخها وأعيان التجار المترددين عليها، فتواصل العطاء مثمرا، لكن بمرور الوقت بدأت
حتى
مع
الإدارة الفردية للوقف تبرز في توثيق بعض الوقفيات وتوزيع ريع المستحقين ولمس البعض سوء تسيير، واستغلال وإهمال لتنمية الوقف، وكان لهذا الانحراف في الممارسة أثره على الوقف وعلى الجماعة؛ إذ الوقف خدمة اجتماعية محضة لا يستأثر. الواقف بثمرتها فكيف بالناظر؟ فقد وقف عثمان بن عفان بئر رومة للشرب وكان له دلوه كدلاء غيره من الناس، والتوفيق مطلوب بين التقييد من طرف الواقف، وبين المرونة بتخويل الناظر التصرف في العائد وتحديد أولويات الصرف، فهو أمين على القبض والاستثمار وتنمية الوقف، كما انحصر مفهوم الوقف في آخر عهد الوكالة في المجال الديني الضيق في وقف أراض أو عقار صغير وإنفاقه على المقبرة، أو وقف الكتب على خزانة تتآكل أرففها ومحتوياتها، لكن نظام الوقف غير متناه ولا ساكن؛ بل هو متغير ويشهد عملية مستمرة من التحولات، فقد يُزال وقف قديم وينشأ وقف جديد، وقد تدمج أوقاف في بعضها أو تبدّل، وقد يتحول نمط الإدارة والنظارة لتحسين الفعالية في جباية الريع وصيانة العقار وتقديم الخدمات، فيبقى الوقف مؤسسة مقدسة تخدم حاجة المجتمع المسلم، وتعود بالبركة على الواقف والناظر والمستفيد.
في
المطلب الرابع: الاستعمار ومحاربة الوقف
مصر التزم الاستعمار البريطاني بعدم التدخل في الأزهر أو الأوقاف أو المحاكم الشرعية، على عكس ما أحدثه الاستعمار عامة في الأقطار الأخرى من سعي للسيطرة على
الوقف ونهب خيراته.
ومن الطبيعي (1) أن يحاول العدو تقويض مؤسسة الوقف، فإن لم يستطع يحرص على (1) ما يكل دمبر: سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين 1948 - 1988 م، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط 1، 1992 م 1 م، ص 7 x .
-140 -
-Y^{-