الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٩٧الوقف الجربي في مصر إضعافها إلى أبعد حد ممكن وبأساليب مختلفة منها: المصادرة والهيمنة على مواردها، واستقطاب قيادتها، بهدف حيازة الأرض ومنع التطلع لبناء حضارة مزدهرة.
إن الناس لا يعرفون من سوءات الاستعمار إلا الاستيلاء على الأراضي، ومطاردة السياسيين واستعباد الشعوب، ولكنهم لا يعرفون أن من جرائمه: - غلق المدارس، وحرق الكتب والوثائق.
- نفي العلماء، وحرمان الطلبة من الدراسة في مساجدهم وزواياهم.
- حرمان الفقراء من حقوقهم في الطعام والمبيت في بنايات شيدها المحسنون لهم).
المطلب الخامس: السياسة ومصادرة الوقف
استولي محمد علي حاكم مصر على الأوقاف دون تصفيتها أو القضاء عليها؛ بل شاركت الأسرة الحاكمة في تعزيز دور الوقف الاجتماعي والثقافي، لقد نص قانون السياسة نامة الذي سنه محمد علي في ربيع الأول 1253 هـ أن الديوان العالي من بين الدواوين السبعة هو جهة الاختصاص بمسائل الأوقاف وتوثيقها، أما السلطة العلية العثمانية فهي الراعية لمؤسسة الأوقاف في تركيا وفي الولايات العربية ومنها مصر، لذلك بقيت الوكالة محافظة على دورها حتى بعد قيام ثورة يوليو 1952 م، ولعل تدخل الدولة يفسد عطاء الوقف؛ لكن فساد الوقف من أول الدواعي لتدخل الدولة لإصلاح وتدارك ما يمكن إنقاذه رغم تسلطها ومراقبتها لكل الأنشطة وتوجيهها إلى ما يخدم مصلحة الدولة قبل الفرد، فإن هذا التسييس بجعل الوقف رسميا يهدم التجربة الوقفية، ويحرم المؤسسة الوقفية من استقلاليتها، فالوكالة كانت تساعد في تقديم خدمات تعليمية، واجتماعية، ومهنية لأعضائها بقرار ذاتي؛ وبتنسيق مع جهة مسؤولة مثل نظام العزابة بالمغرب أو وزارة الأوقاف بمصر،
، لقد
بدأ بنيان الوكالة يندثر ويتساقط، ولم تعد إيرادات الوقف كافية حتى لصيانة المبنى والحفاظ على العقار؛ ليستثمر في إيجاره سكنا يدر ربحا يساعد في استمراره وعدم تعطله. (إن الغلط إذا أدرك تبدد، وإذا ترك تعدد) (3)، فكم من وقف مني بالإخفاق، فلما استبدل عاد وهاجا يرعى المرافق ويخدم المجتمع، واستمر الثواب للواقف؛ لأن الحكمة من الوقف في الدنيا برّ
6
(1) أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1998 م، ص 208. (2) أسواق الذهب لأمير الشعراء أحمد شوقي (نثر)، طبع بمصر سنة 1932 م، الناشر مكتبة مصر للمطبوعات، ط 1، 1993 م.
أهله.
الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية
الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب، بنية من أ إن الحاكم قد يلجأ إلى حل الوقف أو استبداله تمهيدا للاستيلاء عليه، أو مصادرته بدعوى سوء إدارته أو إهماله، وهذا يسبب تراجع الوقف عموما عن أداء دوره، إلى جانب ضعف الرقابة الشعبية وانصراف المسلمين عن الوقف، والتضخم النقدي الذي يعاني منه الناس، ويضيف البعض عوامل أخرى لتقهقر الوقف في مختلف المجالات. أداء
عن
دوره
مثل: تضعضع الملك، وتخلي العلماء عن دورهم، والكساد الاقتصادي، والظلم الاجتماعي،
والثورات، والعزلة والانحطاط، والجمود الفكري، فآل إلى الركود والاندثار». (1)
هي
وقد سئل سماحة مفتي عمان عن حكم المصادرة فأجاب: «مصادرة الأوقاف. تدخل سافر في أحكام الوقف، وذلك ما لا يجوز إذ كل تدخل فيما يتعلق بالوقف يجب أن يكون منضبطا بأحكام الشريعة الإسلامية، ويكون لمصلحة الوقف لا ضده. إن استيلاء الحكومات على الأوقاف أخل بوظيفة الوقف وأضر بالأعمال الخيرية، فيجب على أولي الشأن أن يطالبوا باستعادة الوقف قدر استطاعتهم، وهو حق لا يسقط بالتقادم، ورغم أن بعض القوانين الوضعية تحدد ستا وثلاثين سنة للمطالبة بحق إعادة الوقف - كما في - لكن الشريعة تحفظ حق الوقف لأنه حق جماعي وليس حقا فرديا فإن سكت البعض فلا يسقط حق الآخرين، وهو مستمر للمستحقين وفي أعقابهم من بعدهم إلى أن تقوم
الساعة». (2)
مصر
ومن هنا وجب على كل إباضي مغربي أن يطالب بإعادة هذا الوقف إلى ما كان عليه يوم مصادرته، والأولى في ذلك أسرة البحار وأسرة الجملي، ثم أحفاد الأسر المهاجرة إلى من إباضية جربة، ونفوسة ووادي ميزاب
مصر
المطلب السادس: انهيار الوقف
في أجواء المصادرة العامة للأوقاف بمصر، وبعد عطاء حافل، تعرض وقف وكالة الجاموس إلى الانهيار فتداعى مبناه ثم سقط، وهجره سكانه فلم يأو إليه إلا مضطر، وتوزعت كنوز مكتبته، فأنقذ غالبها وضاع البعض الآخر، ونقص عدد أفراد الجالية الجربية من تجار وطلبة، وتوقف النشاط بالوكالة وتوالت الأعوام، والكل متخوّف من زيارة الوقف أو التفكير في إصلاحه فضلا عن إحيائه وبعث نشاطه، فقد بدأ يتراجع في أداء دوره الفعال
(1) أحمد بن ميلاد تاريخ الطب العربي التونسي، مطبعة اتحاد الشغل، تونس، ط 1، 1980 م، ص 177.
(2) مقابلة شخصية مع سماحة مفتي عام السلطنة الشيخ أحمد الخليلي، مسقط، تاريخ 9/ 11/ 2004 م وقد أذن بنشرها.
-
187 -
- 186 -