الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٩٨

الوقف الجربي في مصر منذ مدة ليست بالقصيرة، ضعف فيها النظار عن تحمل مسؤولياتهم بحزم، وكانت تصرفاتهم بطيئة وغير مدروسة، وضعف الريع وارتبك دخله، وتعرض للتأميم والمصادرة كغيره من الأوقاف زمن ثورة 1371 هـ / 1952 م، ورغم محاولة استرداده لفترة وجيزة بالتنسيق مع وزير الأوقاف الباقوري، لكن القرار الحاسم بمصادرة كل الأوقاف الأهلية أو الخيرية، المصرية أو المغربية، حال دون عودته إلى أداء دوره الريادي في التجميع والتنمية ثقافيا واجتماعيا

واقتصاديا.

المبحث الثالث

الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية

إحياء وقف الوكالة بعد الاندثار والبدائل المقترحة إن صدقت العزائم بالنهوض بالوقف واستئناف مسيرته، فالمسألة هيئة والعمل على إحيائه ممكن، والتجربة خير برهان. فمنذ أن مثل أحمد بن سعيد الجملي أمام محكمة طولون لتوثيق وقفيته كان في نيته أن يبقى وقفه صدقة جارية، وأكد قصده بالتأكيد على صفة التأبيد بعبارات: (وقف وحبس وسبل وأبد وأكد وخلّد)، ولئن كان العقار (مبنى الوكالة) قابلا للسقوط والاندثار، إلا أنه بالصيانة والترميم و والاستبدال يمكن تجديده. فالمهم إرادة الواقف للتأبيد؛ إذ الأرض مثلا ذات طبيعة وقفية مؤبدة تبقى ما دامت السماوات والأرض وتستمر في العطاء ما لم تهمل.

المطلب الأول: جواز الاستبدال

والوقف المؤبد لا بد له من غرض مؤبد، وقد اختار الواقف طلبة العلم الحافظين لكتاب الله؛ ليكونوا مستحقين لريع الوقف، وهو غرض مستمر وليس مقصورا على فئة عمرية أو

زمن محدد.

و صفة التأبيد هذه تساعد في تيسير إحياء الوقف، وإعادة بعثه، وتحقيق رغبة الواقف وخدمة مستحقي الوقف. فأنقاض الوكالة باقية لاتباع، ولا توهب، ويمكن استبدالها وقد أفتى بجواز ذلك العلماء (1)، والمستحقون موجودون باستمرار وهل من خدمة أجل من تيسير حفظ القرآن والإنفاق على حملته وتكريمهم؟ وما دام الواقف أوصى بتأبيد وقفه فلا بد من الوفاء له بوصيته وتنفيذها والعمل على دوامها. فالصدقة الجارية تشمل الوقف على سبيل التأبيد، والتحبيس المؤقت فإن وجدت جالية مسلمة في مدينة غربية تحتاج إلى مسجد ريثما ينجز مشروعها المتكامل لمركز إسلامي يضم الجامع والمكتبة ومرافق الطهارة وقاعة المحاضرات وغرف الضيوف، فلا مانع أن تستأجر مبنى موقوفا مؤقتا، أو يعيرها صاحب عمارة المبنى لحين تجهيز المركز فهو عمل بر، ووقف محدد أراد أن يبقى زمنا قصيرا، والانتفاع يحصل بما هو دائم وما هو مؤقت (3)، فلا مبرر لمنع إعادة بعث وكالة الجاموس كمؤسسة وقفية للجربيين وللإباضية بمصر - وإن كان الأمر صعبا جدا - ففي ذلك احترام لإرادة الواقف، ورد اعتبار لأنصار الوقف، ومنح الحقوق للمستحقين وترجيح مصلحة الوقف فالأوقاف

(1) أفتى بذلك: الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام السلطنة، والشيخ إبراهيم بيوض رئيس العزابة بالقرارة بميزاب، والشيخ عبدالرحمن بكلي رئيس العزابة ببريان ميزاب. (2) منذر قحف الوقف الإسلامي (تطوره، إدارته، تنميته)، م. س، ص 106.

- 149 -

- 188 -