الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٩٩

الوقف الجربي في مصر

کاليتامى إن وجد كافلهم مصلحة في القيام بأمر ما فعله لهم. ومثلما يستثمر كافل اليتيم مال مكفوله ويتحرى مصلحته، كذلك يطالب الناظر أو متولي الوقف أن يرعى ويعمر ويصون مبنى الوقف ويستبدله إن كان في ذلك مصلحة حتى يستمر في عطائه ولا يحرم مستحقو

الريع من حقهم فيه وفي اليتامى يقول الله جل وعلا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ) (1)

تلك

و مما يشغل بال أنصار الوقف عندما يتعطل الوقف بالتهدم التفكير في مصير التجربة الرائدة هل تترك مهملة وتضيع جهود ود أربعة قرون من البذل والتضحيات الجسام أم يلتقي أصحاب النوايا الخيرة لوضع حد للضياع، وانقطاع المنافع، ولإيجاد صيغة تنهض بالوقف وتعيد مجده وتعمره باستبداله أو بإضافة وقف جديد أو بأية صيغة مناسبة، وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستبدال خاصة إذا اشترط الواقف كما هي حال وكالة الجاموس عدم التبديل أو الإبطال لشيء قرر فيه {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه) (2)، فأجازه البعض إن تحققت مصلحة الوقف في البديل، ومنعه آخرون مطلقا تقيدا بشروط الواقف، كما اختلف العلماء في مخالفة شرط الواقف فأجازها البعض في سبع حالات منها: عدم الاستبدال بالموقوف شيئا آخر (3).

وبين الشافعية والمالكية) الذين ضيقوا فلم يجيزوا استبدال الوقف من العقار وخاصة المسجد، ولو تخرب فلا يستغل وبين الحنابلة الذين أجازوا الاستبدال إذا تخرب بالبيع توسع الإباضية والحنفية فأجازوه إن كانت المصلحة في ذلك، وعند الضرورة. «فإذا تعذر الانتفاع بالموقوف فلا مانع من الاستبدال والمقايضة ولو بالبيع، شرط أن يتم ذلك على يد الأمناء الثقات الخبراء حتى لا يغبن مستحق الوقف ولا يحرم الواقف استمرار الأجر، و تحفظ مصلحة الجميع». (0) إن العمل على استرداد ما نهب وضاع، وإعادة إحياء ما اندثر من الوقف هو مطمح جيل الصحوة من أنصار العمل الخيري في مواطن الإباضية بالمغرب والمشرق. وإذا أريد تشغيل وقف معطل، واستغلاله أو إعادته إلى مجال الإنتاج والعطاء، فإن الاستبدال عملية تنموية وصيغة مناسبة لتحقيق عمارة الوقف، واستمرار قدرته على إنتاج المنافع المقصودة منه بعد انقطاعها. فالكتب المخطوطة بوكالة الجاموس إن تلفت، هل ينقضي

(1) سورة البقرة جزء من آية 220. (2) سورة البقرة جزء من آية 181.

187

(3) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفکر، دمشق، ط 3، 1409 هـ / 1989 م، ص 182. (4) المرجع نفسه، ص) (5) مقابلة شخصية مع سماحة مفتي عمان بتاريخ 11/ 9 / 2004 م.

الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية

وقفها؟ قطعا لا، إذ يمكن بعملية تأجير لها قبل تلفها أن يستفاد من ثمن التأجير وعائده مما يساعد على استنساخ كتب جديدة، بديلة، فإذا بليت المخطوطة الأم انتفع بالنسخ وكانت خير بديل للكتب الموقوفة التالفة ويستمر وقفها. ومن وجوه إعادة وقف وكالة الجاموس لأداء دوره إضافة وقف جديد إليه يحل محل الفائت الزائل، ويضم إليه ويوسعه. «ألم يشتر عثمان نصف بئر رومة بداية، ثم أكمل نصفه الآخر؟ مما يؤكد جواز الاستبدال، وإضافة الجديد إلى وقف قديم» (1).

ومن صور استبدال الوقف أن يُباع كله أو بعض منه، وأن يُشترى بثمنه مال وقفي آخر يستعمل لنفس الغرض الأصلي مع الإبقاء على سائر شروط الواقف. ففي حالة الكتب المخطوطة القديمة، صارت لها قيمة أثرية تزيد كثيرا عن قيمتها العلمية مما يمكن مكتبة وكالة الجاموس المالكة لمجموعة نادرة من المخطوطات الموقوفة أن تبيعها بمبالغ ضخمة، وتحتفظ بنسخ مصورة عنها، وتشتري بالفارق أضعاف عدد الكتب التي كانت تمتلكها، فينتفع قراء المكتبة الموقوفة بمطالعتهم فيها وتوسيع أفق ثقافتهم.

وينفع في حالة إحياء وقف وكالة الجاموس، الاستبدال الجزئي بأن تباع أنقاض الوكالة أو جزء من أرضها لعمارة الجزء الآخر، حيث تتوافر سيولة نقدية تستعمل في الصيانة وإعادة الإعمار، وبدل التعطل الكامل للوقف أو الضآلة في الأرباح يتحول الوقف إلى مصدر إنتاج مقبول ومجز. والمهم أن يستمر الوقف، ولا ينتهي لأن الموقوف عليهم لم ينقرضوا، والمدة التي وضعها الواقف غير محددة بل (إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) (2).

فالاستبدال سواء اشترطه الواقف لنفسه أم لغيره أم لم يشترطه بأن سكت أو نهى عنه وتعطل الوقف يصير واجبا، والقول بمنع الاستبدال يجر إلى مفسدة، تبقى معها دور الوقف خربة وأراضيه ميتة مهجورة، مما يترتب عليه الإضرار بالمستحقين وجهات البر، كما أجله

أن الجمود على عين موقوفة مع تعطلها هو تضييع للغرض الذي حبست العين من أ وسبلت المنفعة له. ورغم ما في الاستبدال من خطورة إذ هو سلاح ذو حدين؛ فيمكن أن ينقذ الوقف ويستعيد المستحقون حقهم، ويمكن أن يستغله ظالم فيغبن صاحب الحق. لذلك وضع المجيزون للاستبدال ضوابط ليكون مشروعا منها:

(1) منذر قحف الوقف الإسلامي، م. س، ص 242. (2) انظر وثيقة وقف وكالة الجاموس رقم 868، ص 80.

-191 -

- 19+ -