بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٥٢بهجة الأنوار هج
وأما الموضع الذي تمنع فيه التقية بالقول، فهو ما إذا كان في القول ضرر على أحد من البشر، كإتلاف نفس الغير، أو قطع عضوه، فإنه لا تجوز لأحد التقية في هذا الموضع، إذ لا يحل لأحد أن يُنجي نفسه بضرر غيره، إذ ليست نفسه أولى بذلك من نفس غيره، وهذا معنى قوله: (وامنعها في اتلاف نفس إن جنى). أي وامنع التقية بالقول في موضع يجني فيه القولُ إتلاف نفسِ الغير وكذا حكم عضوه. ومثال ذلك أن يُكرِه جبارٌ ذو قدرةٍ معروف بالغشم أحداً ممن يقدر عليه، أن يَدُلَّه على أحدٍ من البشر ليقتله بباطل، أو ليقطع عضوه بغير حق، وكان قد توعده بالقتل إن لم يدله عليه، فلا يجوز لهذا المجبور أن يَدُلُّ الجبار على ذلك المطلوب، وإن خافَ على نفسه منه.
وأما الموضع الذي يُختلفُ في جواز التقية فيه بالقول، فهو ما إذا كان في ذلك القول إتلافُ لمال الغير، كأنْ يَدُلُّ الجبار على مال لغيره أن يُضيعه، أو يقتله الجبار، فإنَّ بعضاً قد أجاز له أن يدله على ذلك، مع اعتقاد الضمان له وبعض منع من ذلك. وهذا معنى قوله: (والخلف .. الخ). والجواز في هذا الموضع أظهر من المنع، لأن المال لا يقاوم النفس. والله سبحانه وتعالى أعلم. (305) (ولم تجز تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل (306) (لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر) هذا بيان حكم التقية بالفعل، وحكمها أنها لا تجوز عند الأصحاب، وذلك كحرق النفس، وكتغريقها، وكقتلها، فإن في هذه الصور كلها لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بفعلها.
المراة
لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمُضطر كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول لبعضهم فهو
بهجة الأنوار فنج
مشهور في آثارهم فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مُجمل، لا بُدَّ له
من تفصيل.
وتفصيله أن نقول: إن الفعل الذي يُكره عليه الإنسان، إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير، لكن فيه إتلاف لمال الغير، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير، ولا إتلاف لماله، فإن كان فيه ضرر بالغير فهو ممنوع اتفاقاً، وإن كان فيه إتلاف لمال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول بشرط ضمان ذلك المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان: tted at أحدهما فعل لا يقبل الجبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله عند ذلك، كالزنا فإن فعله لا يصدر إلا عن اختيار من الرجل دون المرأة، فلا يحل للرجل التقيَّة به، ولا للمرأة أن تساعد عليه. وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك، مما أبيح لنا فعله في الاضطرار إليه، فأجاز التقية به قوم ومنعها به آخرون. لا حجة المجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الاضطرار لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار فجاز لنا ذلك. وأيضاً فإن الحكمة من شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار، إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا. قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مُقيدة بالاضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في غير المخمصة، وإن أضطر إلى فعله. قلنا: ذكر المخمصة في الآية لا مفهوم له، وإنما هو جار على الأغلب من أحوال الاضطرار، فإن الغالب من حال الاضطرار الى أكل ما ذكر، إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يُذكر للقيد،
(417)
لهية لغلا
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ا. هـ ووافقه الذهبي هناك فقال في «تلخيصه»: (على شرط البخاري ومسلم. ا. هـ.
واق
رية يغله
(417) لاحظ أن الكلام هنا عن الجبر والاكراه وليس الاضطرار العادي، فإن الثاني جوازه صريح بنص الكتاب العزيز. کا ديا