بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ٨٠

بهجة الأنوار فلم

100

بهجة الأنوار فنج

وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث.

ولم يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة ومجئ وإتيان على معنى بر ولطف، وساق على شدة بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشئ إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن!!.

ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة. وكلامهم صريح في التشبيه!! وقد تبعهم خلق من العوام. فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل. وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يُقل. فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ثم قلتم في الأحاديث، تحمل على ظاهرها!!. وظاهر القدم الجارحة!!، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن الله صفةً هي روح ولجت في مريم. ومن قال: استوى بذاته. فقد أجراه مجرى الحسيات!!. وينبغى أن لا يُهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم فلو أنكم قلتم نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. و. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئاً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شيئاً قبيحاً لا يُغسل إلى يوم القيامة).هـ.

ثم قال ص (104) وما بعدها): (وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: أحدها: أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) [الحجر: 29]. وليس لله صفةً تسمى روحاً!!، فقد ابتدع المضاف صفة. من سمى الثاني: أنهم قالوا إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها واعجبا!! ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له؟! فهل ظاهر الاستواء إلا القعود وظاهرُ النزول إلا الانتقال.

الثالث: أنهم أثبتوا [بها] الله تعالى صفاتاً وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من

الأدلة القطعية.

وقال ابن حامد المجسم من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ على وجهين. وقال: غالب أصحابنا على تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم.

قلت: هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل. الرابع: أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور كقوله: ينزل إلى السماء الدنيا» وبين حديث لا يصح كقوله: رأيت ربي في أحسن صورة بل أثبتوا بهذا صفة وبهذا صفة. الخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا. السادس: أنهم تأولوا بعض الالفاظ في موضع ولم يتأولوها في موضع آخر كقوله: «من أتاني يمشي أتيته هرولة». قالوا: هذا ضرب مثل للإنعام. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي. فقالوا: نحمله على ظاهره. قلت: فواعجبا!! ممن تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز. السابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته، وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لا كما يُعقل!!. فغالطوا من يسمع، فكابروا الحس والعقل. فحملوا الأحاديث على الحسيات فرأيت الرد عليهم لازماً لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكت نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس لان العمل على الدليل، وخصوصاً في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) اهـ. ثم قال ص 107) وما بعدها): (فإن قال قائل: ما الذي دعى رسول صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة للتشبيه؟ قلنا: إن الخلق غلب عليهم الحس فلا يكادون يعرفون غيره، وسببه المُجانسة لهم في الحديث، فعبد قوم النجوم وأضافوا إليها المنافع والمضار، وعَبَدَ قوم النور وأضافوا إليه الخير، وأضافوا الشر إلى الظلمة، وعَبَدَ قوم الملائكة، وقوم الشمس وقوم عيسى، وقوم عزير، وعبد قوم البقر والأكثرون الأصنام، فأنست نفوسهم بالحس المقطوع بوجوده.

ولذلك قال قوم سيدنا موسى عليه السلام أجْعَل لَّنَا إِلَهَا) [الأعراف: 138].

فلو جاءت الشرائع بالتنزيه المحض جاءت بما يطابق النفي فلما قالوا: صف لنا ربك. نزلت قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص، ولو قال لهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا يشغل الأمكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من الجهات الست وليس بمتحرك ولا ساكن ولا يدركه الإحساس لقالوا حُدَّ لنا النفي بأن تميز ما تدعونا إلى عبادته عن النفي، وإلا فأنت تدعو إلى

عدم.

فلما علم الحق سبحانه ذلك جاءهم بأسماء يعقلونها من السمع والبصر والحلم والغضب وبنى البيت وجعل الحجر بمثابة اليمين المصافحة، وجاء بذكر الوجه واليدين والقدم والاستواء والنزول لان المقصود الإثبات فهو أهم عند الشرع من التنزيه، وإن كان التنزيه منها

*****

فلما أثبت وجوده بذكر صور الحسيات نفي خيال التشبيه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، ثم لم يذكر الرسول الأحاديث جملة وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان، فقد غلط من ألقها أبواباً، على ترتيب صورة غلطاً قبيحاً!!، ثم هي بمجموعها يسيرة!!، والصحيح منها يسير!!.