الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٠منصوص على حرمتها أو لم يجمع الفقهاء على المنع منها وإن لم يأت نص شرعي
يفيد ذلك، فمحصلة الأمر أن لا تخرج العقود عن النظام العام للتعاقد. ومع كون الأصل في البيوع الجواز والإباحة إلا أن هذا الحكم يدور مع القرائن وأحوال المكلف إذ قد يرتفع الحكم إلى الوجوب إن لم يجد المكلف سبيلا للقمة عيشه إلا بالتجارة؛ لأن الأصل في المسألة أنها محرمة كما في حديث الزبير بن العوام أن النبي لو قال: لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره
فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه (1). قال ابن بركة في هذا القول من النبي الله ما يدل على ضعف مذهب القائلين إن الدنيا بمنزلة الميتة لا يحل منها إلا ما يحل للمضطر لاختلاط الحلال منها بالحرام فلا يطلب منها إلا ما يسد به الفاقة وفيه دليل آخر يدل على قبح اختيار القائلين أن هدفه التوكل لا يكون إلا بترك الاكتساب؛ إذ حث النبي صلى الله عليه وسلم على طلب الاكتساب حثا مطلقا ..... وكيف يكون الاكتساب مكروها والله تعالى يقول يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ} البقرة: 267 (2). ووجه الاستدلال السابق أن الإنفاق مطلوب شرعا من الإنسان، وكيف سينفق من لم يكن لديه مال وكيف سيأتي المال إلا بالسعي في الأرض والسير في مناكبها، على أن تحقيق الشريعة وأداء واجب الاستخلاف على الأرض لا يكون
(1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة (1402).
(2) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 239.
امج الاولية
من الضعاف الذين يفرون بدينهم من شاهق إلى شاهق بشبهة الورع بل يكون بالمتمكن الذي لم يملك أحد التصرف في قوته وطعامه، على أن من المتفق عليه واقعا أنه لا يسود إلا عادات الطبقة السائدة فسادات العادات عادات السادات فكيف ستسود تعاليم الإسلام في الواقع إن كنت لا ترى في بلدان المسلمين إلا المجاعة والفقر. الإشهاد على عقد البيع (1)
وقد جاء في الكتاب العزيز الأمر بالإشهاد على البيع في قوله تعالى) وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} البقرة: 282، غير أن فقهاء المذهب قد اتفقوا على عدم وجوبه إن كان التبايع حاضرا ولم يكن مؤجلا (2)، واختلفوا فيه إن كان دينا كما سيأتي في الفصل الثالث إن شاء الله.
(1) يمثل عقد البيع القاعدة التي تؤخذ منها الأحكام العامة للعقود، والأصل أن ما ينطبق على البيع ينطبق على بقية العقود ما لم يكن ثمة دليل خاص يخرج عقدا معينا عن الأصل العام المستفاد من أحكام البيوع، وعليه فالإشهاد بالمفهوم المبين في الأصل يطلب أيضا في عقد الإجارة والشراكة وغيرها من عقود المعاوضات. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 261.
-10 -
-12 -