الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية ماجد بن محمد بن سالم الكندي

الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

ومن

ن ذلك مقاطعة الأجير على حفر أرض بمقدار معين () وهذا يمكن أن يقال به إن كانت الأرض غير معلومة من حيث طبيعتها أرخوة أم صلبة، لكن إن علم ذلك ارتفعت الجهالة وكان التعاقد على معلوم، على أن تطور الحياة المدنية له دور في رفع الجهالة، فلئن كان الزمان السابق لا تتيح ظروفه اكتشاف كثير من الأمور إلا أن هذا الزمان فتح الله به على العباد أمورا ما كان السابقون يتصورونها فقد تُعلم طبقات الأرض ومدى الجهد الذي سيبذل لحفرها ويكون الحفر حينها غير مبني على جهالة بل معلوم علما يكفي للدخول في العقد.

ومثله في زماننا مقاطعة مدربي قيادة السيارات بمبلغ مقطوع إلى حين أخذ الرخصة؛ إذ لا يعلم الحال هل سيتعلم القيادة ويأخذ الرخصة في زمن يسير فيكون عمل المدرب قليلا وربحه كثير، أم أنه سيتأخر في التعلم ويكون ربح المدرب قليلا وتكاليفه كثيرة، ويتوجه في النفس الجواز إن كان المدرب ذا خبرة يقدر المستوى الذي عليه المتعلم بمقابلة يسيرة يتبين بها مدى استجابة الطالب ثم يقطع له بالأجرة.

وفقهاء المذهب يذكرون مسألة قريبة من هذه وهي فيمن يعلم الصبيان القرآن الكريم ويتعاقد معه ولي الصبي على أنه إن أتم القرآن فله كذا، أو لكل جزء يتمه الصبي كذا من الأجرة، وقد ذكروا في هذه خلافا فقول يمنع

(1) الخليلي، الطلع النضيد، ص 454.

اتت

منها،

وقول يجيزها، وقول يقول إنها من الإجارات المجهولة إن أتموها جازت وإن نقضوها انتقضت (1).

ووجه شبه هذه بمسألة تعليم القيادة أن المتعلمين للقرآن متباينون في قدراتهم فمنهم اللبق الذي يستجيب للإشارة من بعيد فلا يبذل جهد لتعليمه، ومنهم من يبلى الجديدان ولا يكاد يتعلم شيئا ولله في خلقه شؤون، وقد تقدم من قبل أن الظاهر من عبارات فقهاء المذهب الخلاف في الشروط المجهولة هل تبطل العقد، أو لا تبطله ولكن تتيح حق النقض بعد تبينها، وكثير من فروع المتأخرين على الرأي الثاني، وتقدم أيضا أن ظاهر فروع بعض المتأخرين أنه لا يمنع ديانة من الدخول في الشروط المجهولة التي تتيح حق النقض والمتاممة، وعلى هذا كله يتخرج القول في مسألة تعليم قيادة السيارة وكل ما شابهها. غير أن القول الأولى في النظر والأحب إلى النفس هو قول من يمنع الدخول ديانة في الشروط أو العقود المجهولة فيأثم كل من دخل فيها مع علمه بالجهالة الممنوعة شرعا؛ إذ ذلك مقتضى نهي أدلة الشرع عن الغرر وغيره من عقود الجهالة، غير أن قضية الغرر والجهالة ليست قضية محدودة واضحة الرسوم والمعالم بل هي أمر يرجع إلى أعراف الناس وبيئاتهم والأزمان التي يعيشون فيها ومدى التطور في حياتهم المدنية، فقد يكون أمر مجهولا غير متقبل في زمان ومتقبلا في عرف زمان آخر وعليه الخلق كلهم كما تقدم التمثيل عليه، على أن

(1) المحقق الخليلي، أجوبة المحقق الخليلي، ج 4، ص 186.

- 267 -

- 266 -