الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٣٩المعرفة المطلقة ليست إلا لله وحده، ومعرفة البشر نسبية انتمائية والشرع أراد بمعرفة العقد المعرفة النسبية وهذه من سماتها تباين البشر في الاتصاف بها لتباين الأزمان والأحوال والأفراد فعلى معرفة من سيكون الحكم؟؟، ويكفي من هذا كله أن يكون العرف العام جاريا على قبول هذا الأمر بالوصف المتاح وأن لا يكون مثيرا لجدل ولا مسببا لنزاع ومن اليسير، ضبطه، وقد اغتفر الفقهاء كما تقدم ذكره - الغرر اليسير والغبن اليسير، وهنا نغتفر الجهالة اليسيرة التي قد يقع الناس في الحرج باشتراطها، والشريعة أرادت بالعقود تنظيمها بما يرفع الحرج والنزاع لا
إدخال المشقة والعنت.
وإن تحقق وصف الجهالة في العقد والذي أدى إلى نقض عقد الإجارة والعامل قد بذل جهدا فإنه يرد العامل إلى كراء المثل سواء أكان العمل تاما أم غير تام، فلكل حالة مقدارها.
ثانيا: أن تكون المنفعة متقومة شرعا، أما إن كان الشرع قد أهدرها فلا يجوز التعاقد عليها، وهكذا إن كانت المنفعة عبادة متعلقة ببدن الإنسان ذاته فلا يصح أن يستأجر عليها غيره ليؤديها عنه ().
ومن صور الإجارة المحرمة أجرة كل منفعة كانت في شيء منهي عنه في الشرع كأجرة النوح والغناء والكهانة ومهر البغى وغيرها كما يفيد ذلك حديث
(1) الشماخي الإيضاح، ج 3، ص 585.
(2) شيخنا الخليلي، فتاوى العبادات، ص 322
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي أنه نهى عن ثمن الكلب لا لا لا ومهر البغي وحلوان الكاهن قال الربيع مهر البغي ما تأخذه المرأة على أن يزني بها، والحلوان الأجرة، والكاهن الذي ينظر في الكتف. وروى أيضا من طريق أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي ل نهى عن عسب الفحل، قال الربيع: ذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من الأجرة، والعسب ضراب الفحل ".
وعلة السابق أن في الاستئجار لتحقيق محرم تعاونا على المنكر الذي أراد الشرع إعدامه والله تعالى يقول وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، ومن وقع في السابق بأن استأجر لمحرم في الشرع فليرد ما أخذ إن وجد صاحبه، وإلا فليعطه فقراء المسلمين تخلصا ومن باب التوبة ينفق مثله عوضا عما فعل في معصية الله، وأما من أعطى الأجرة المحرمة غيره فإنه ينفق مثل ما أعطى، ونص غير واحد من فقهاء المذهب على عدم جواز المحاللة في مثل هذا، ولا أدري ما علة الأمر بأن ينفق مثل ما أعطى إلا أن يكون من باب قوله: وأتبع السيئة الحسنة تمحها (4)
(1) أخرجه الربيع في باب في المحرمات (633).: (2) أخرجه الربيع في باب: في المحرمات (634)
(3) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 395، والشماخي، الإيضاح، ج 3، ص 568. (4) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في معاشرة الناس (1987)
- 269 -
- 268 -