الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢١٢الأمة بالحلال والحرام يقال إن رواية الراوي الفقيه مقدمة على رواية الراوي الذي لم يشتهر بالفقه عند تعارضهما وعدم إمكان الجمع بينهما كما نص على ذلك أئمة الأصول، قال الإمام السالمي في شمس الأصول: فَقُدِّمَتْ رِوَايَةُ الفَقِيهِ عَلَى أَمِين لَيْسَ بِالفَقِيهِ أَوْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ أَوْ كَانَ فِي الْمُجْلِسِ ذَا قَرَابَةِ مِنَ الرَّسُولِ أَوْ مُشَافِهَا عَلَى مَنْ لَمْ يُشَافِهُ أَوْ بِهَا قَدْ عَمِلَا أَوْ كَوْنه مُبَاشِرًا لِلسَّبَبِ أَوْ دَابَهُ يَرْوِي عَنِ الْمُنتَخَبِ وقال الفخر الرازي: وأما التراجيح الحاصلة بأحوال الرواة فهي إما العلم أو الورع أو الذكاء أو الشهرة أو زمان الرواية أو كيفية الرواية، أما التراجيح الحاصلة بالعلم فهي على وجوه أحدها أن رواية الفقيه راجحة على رواية غير الفقيه، وقال قوم: هذا الترجيح إنما يعتبر في خبرين مرويين بالمعنى أما المروي باللفظ فلا.
والحق أنه يقع به الترجيح مطلقا؛ لأن الفقيه يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز فإن حضر المجلس وسمع كلاما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه وسأل عن مقدمته و سبب وروده فحينئذ يطلع على الأمر الذي يزول به الإشكال، أما من لم يكن عالما فإنه لا يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز فينقل القدر الذي
(7)
سمعه وربما يكون ذلك القدر وحده سببا للضلال)، والحكم السابق وجيه جدا وهو متقرر عند الأصوليين (2). ثانيا: مما يدل على أن النهي
لا يراد به التحريم بإطلاق بل الرفق بالأمة النصوص المبينة الأخرى فلئن كان في نص النهي إجمال من حيث التحريم العام أو الرفق فقد جاءت نصوص أخرى تبين الإجمال السابق وتوضحه، والاتفاق حاصل بين أهل العلم أن النص المبين الأوضح مقدم على النص المجمل، والأدلة
الأوضح في بيان السابق وأنه لا يراد به التحريم المطلق دليلان أولهما: ما يبين أن الأمر بالزرع أو المنح أو الإمساك كان على وجه الندب لا الجزم وبين ذلك حديث مسلم عن حماد بن زيد عن عمرو أن مجاهدا قال لطاوس انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج فاسمع منه الحديث عن أبيه عن النبي قال: فانتهره، قال: إني والله لو أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم به منهم - يعني ابن عباس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما (3).
(1) الرازي، المحصول، ج 5، ص 554.
(2) البخاري، كشف الأسرار، ج 2، ص،581، آل تيمية المسودة، ص 276،
والزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 446.
(3) أخرجه مسلم في كتاب، باب: الأرض تمنح (1550)
(2)
- 409 -
-
- 408 -