الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية ماجد بن محمد بن سالم الكندي

الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

لكن من الجائز الاستدانة للحاجات المطلوبة شرعا كالزواج والتجارة مادام يغلب على ظنه الوفاء وعلى هذا أن يدين بقضائها وتوفية أهلها حقوقهم، وإن نسي شيئا منها فذهب بعض فقهاء المذهب على رأسهم بشير - رحمه الله - إلى أنه

(1)

معذور ولا يلحقه إثم والله يقضي عنه، ومنهم من قال إن الدين يبقى عليه (1). على أن القول بأنه إن كان الباعث على الاستدانة مباحا شرعا، وقد استفرغ جهده في الوفاء بحقوق الآخرين ولم يقصر فإنه يعذر بذلك قول متوجه إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والاستدانة كانت بمسوغ شرعي وعدم الرد كان مع مسوغ شرعي فكيف لا يسقط العقاب، ومن شروط العقوبة الفعل المحرم ولم يات هذا فعلا محرما.

على أن النبي و بوصفه و رئيسا للدولة الإسلامية كان يقضي عن هؤلاء ديونهم بما يمثل مرحلة متقدمة من الضمان الاجتماعي الذي يتعين على الدولة

أن

الإسلامية أن تحفظه لرعاياها فعن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فـ هل ترك لدينه فضلا فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين

(1) الشقصي منهج الطالبين (طبعة التراث) ج 11، ص 10.

(AF/7).

فترك دينا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته)، ومن السابق يتعين حمل النصوص على المماطل في أداء ما عليه من حقوق للآخرين. لكن على المدين قبل أن تكفل له الدولة ديونه أن يستفرغ الجهد في الوفاء بحقوق الآخرين فلا يتوسع في المباحات غير الواجبة وذمته مشغولة بالواجبات ومن ذلك نص فقهاء المذهب على أن من كانت عليه ديون وله مال يملكه بقدر ما عليه لم يكن له فيما بينه وبين خالقه أن يتصرف في ماله ويحبسه عن إنفاذه في الديون إلا قدر ما يكفيه لقوته الذي يبلغه وقوت أهله، قال الإمام ابن بركة: لو أن رجلا عليه ديون كثيرة من أموال اغتصبها ومظالم ارتكبها وله مال يملكه لم يكن له فيما بينه وبين خالقه أن يتصرف فيه ويحبسه على قضائه في تلك المظالم إلا بقدر ما يكفيه لقوته الذي يبلغه إلى قوت مثله (1).

ومن كانت عليه ديون ومظالم ولا يفضل الذي له من الذي عليه فلينفق على عياله بالقوت الذي يسد خلتهم من الجوع، ولا يضيف منه أحدا، ولا يهب منه لولد ولا غيره، ولا يعتق أحدا من خدمه، فإن فعل مضى فعله ويكون آثما كما بينا، وقيل لا يأكل اللحم ولا الطرف وإنما يأكل ما يقيم صلبه ويسد جوعه (3)، ومن

لقا طال

(1) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب الكفالة، باب: الدين (2176)، ومسلم في كتاب الفرائض باب من ترك مالا فلورثته (1619).

(1) ابن بركة، الجامع، ج 1، ص 206.

(2) الكندي، بيان الشرع، ج 35، ص

47، والشقصي، منهج الطالبين، ج 11، ص 11.

- 423 -

- 422 -