الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية ماجد بن محمد بن سالم الكندي

الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٤

وكون الشريعة تكفل للمالك أن يكون حر التصرف في ماله لا يعارض هذا الإجراء؛ لأنه لم يمنع من التصرف في ماله وإنما منع من إدخال الضرر على غيره وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ) الذاريات: 19 كما يقول الإمام السالمي)، وقد قال ذلك حينما سئل عن حكم منع التجار أو المنتجين مطلقا من نقل السلع إلى بلدان أخرى إن كان أهل البلد محتاجين إليها، وأنقل نص جوابه لأهميته في تقرير حكم التسعير فقد قال:

حاجة أهل بلده أولى من حاجة غيرهم، وعليه لهم حقوق ليست للغير، وأيضا فحاجة هذه البلد متعينة حاضرة، وحاجة غيره مجهولة غائبة، ودفع الضرر المعلوم الحاضر ألزم من دفع الضرر المجهول الغائب؛ لأن الضرر المجهول الغائب يمكن ارتفاعه بوجه لا نعلمه فنحن جاهلون ببقائه إلى الآن، وهذا الحاضر مشهود بقاؤه، ولأن دفع الضرر الحاضر ألزم من دفع الضرر الغائب ولو تيقن بقاؤه فهذه علل تمنع نقل السلعة من بلد إلى بلد إذا احتاج إليها أهل البلد الأول، كان صاحب السلعة من أهل البلد أو لم يكن، ولا يعارض هذا كونه متصرفاً في ماله فإنه لم يمنع من التصرف … إلخ.

والسابق كله يثبت أن للملكية وظيفة اجتماعية حتمتها الشريعة على المالك فليست يده مطلقة التصرف في المال بل يجب أن يكون تصرفه على وجه لا يدخل

(1) الإمام السالمي جوابات الإمام السالمي، ج 5، ص 123.

جلان

به ضررا على غيره، ولتقرير هذا الكلام وآثاره الكثيرة على حياة المسلمين المعاصرة موضع آخر. التسعير ومنطق الحياة المعاصرة

أبان الإمام ابن بركة جواز التسعير في حال الاضطرار والضيق والعمل في هذا الحال إنما هو موازنة بين المصالح والمفاسد ورفع للظلم عن عموم الناس والحياة المعاصرة يفترض فيها التسعير في العقود التي ينفرد فيها بالإرادة وإملاء الشروط طرف واحد ولا يبقى للطرف المستفيد سوى الإذعان والموافقة؛ إذ العقود منمطة تسري على الجميع، وهذا يظهر جليا في الشركات التي تأخذ حق الامتياز في تقديم خدمة معينة كالشركات التي تقدم خدمة الكهرباء أو الهاتف أو الإنترنت أو البريد أو غير ذلك مما لا يكون فيها المجال متاحا لأن يفاصل الإنسان في الأمر بل يذعن إذعانا لما تريده والحكم في هذه الشركة يظهر في حالتين

کا

الحالة الأولى: أن تبذل الشركة الخدمة بثمن عدل ومستوى مقبول من الأداء، وهنا لا يصح أن يسعر عليها؛ لأنه لا ضرورة في الأمر، وإجبارها على سعر دون

وجه حق هو الظلم الذي أشار إليه النبي الهلال في الحديث مع المانع للتسعير. الحالة الثانية: حالة التعسف والظلم في تقديم الخدمة إما برفع سعرها والاسترباح الخارج عن المنطق والذي يدفع ثمنه عموم الناس أو أن تكون الخدمة سيئة تقل عن مثيلاتها من الشركات التي لها الظروف نفسها، وهنا يجب أن تدخل الدولة بوصفها صاحبة سيادة وسلطان فتسعر على هذه الشركات وتضبط

- 43 -

- EY_