الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية ماجد بن محمد بن سالم الكندي

الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٦

(*)

وأورد ابن بركة رواية مفادها أن النبي ل نهى أهل الأسواق أن يتبايعوا قبل طلوع الشمس، واحتمل لهذا النهي وجهين أولها الترغيب في ذكر الله في ذلك الوقت لما فيه من جزيل الثواب، وثاني الاحتمالين دفع الغرر بسبب الظلمة التي لا يظهر فيها المبيع جليا (3).

ولا بد من التنبه أن الغرر ينهى عنه إن كان في المعقود عليه مباشرة أما إن كان في تابع ليس هو المعقود عليه أصالة فيغتفر حينها كما في جواز بيع الحيوان مع ما في بطنه من جنين إن كان المقصود الأصل وهي الأم، وجواز بيع النخل ولو كانت مثمرة وثمرتها لم تدرك إن شرطها البائع، لأن الغرر في هذه الوجوه في التابع وليس في أصل ما يقصد بالتعاقد، غير أنه لو قصد الجنين بالبيع وحده لم يجز لكونه من بيوع الغرر (4).

ويمكن أن يقسم الغرر إلى أقسام ثلاثة أقسام غرر وجود وعدم، وغرر حدود وصفات، وغرر قبض وتسليم، فالأول ينصرف إلى ما كان الشك متوجها إلى وجوده وذلك كنهي النبي عن بيع حبل الحبلة، وأما غرر الحدود والصفات فيكون في معقود متحقق الوجود غير أن علاماته وصفاته غير معلومة

(1) أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب: كراء الأرض (1536). (2) لم أقف على هذه الرواية مسندة.

(3) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 338.

(4) ابن بركة الجامع، ج 2، ص 355.

(5) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة (2036)

وذلك كنهي النبي الله عن الثنيا إلا أن تعلم، وأما غرر القبض والتسليم فهو متوجه إلى معقود عليه متحقق الوجود ومعلوم الصفات إلا أن الشك متوجه إلى قبضه وتسليمه لمن اشتراه كبيع الحيوان الشارد والطير في الهواء، والسلعة المغصوبة وهي بيد الغير. والغرر المنهي عنه إنما يكون فيما قصد أصالة وكان على الوصف السابق، أما ما كان الوصف السابق فيه وهو غير مقصود أصالة بل تبعا والمقصود أصالة معلوم ومعروف فلا يعد غررا؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المقصود بالأصالة، ومثل ذلك أنه يجوز بيع الدابة التي ببطنها جنين، ولكن لا يجوز إفراد الجنين بالبيع وهكذا يجوز أن تباع النخلة ذات الثمار غير المدركة مع عدم جواز بيع الثمار مفردة إن لم تدرك (2).

والغرر الذي يحرم معه التعاقد هو الغرر الفاحش، فاليسير الذي تعارف الناس عليه لا حرج فيه؛ إذ قلما يخلو منه، عقد، والكثير المؤدي إلى الخلاف ممنوع اتفاقا، وأما ما يدور بين القليل والفاحش فهو المختلف فيه فمن رآه يسيرا أجازه ومن رآه فاحشا منع منه (3).

(†)

(1) أخرجه النسائي في كتاب المزارعة باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر (3880).

(2) ابن بركة الجامع، ج 2، ص 355.

(3) الشماخي، الإيضاح، ج 3، ص 123.

(7) 12

- 67 -

-77 -