الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٨٢الأصل، وقد يبيعها إلى غير من اشتراها منه وقصده النقود مقابل النقود بزيادة ونسيئة والمفترض فيه أن يقال بحرمة ذلك لفساد القصد الذي جعل علة للتحريم، وأما ربط القصد بالبائع الأول فلا أراه يعدو أن يكون أكثر ظهورا فصرح به وإلا فالقصد ذاته غير جائز ومنه فهو علة التحريم في العينة والتورق. وعلى القول الأول المجيز للذرائع الربوية على بعده وضعفه في النظر - لا بد من أن يشرط عدم تواطؤ المتعاقدين على العقد نصا أو عرفا أو عادة؛ لأن التواطؤ عليه يحيله معاملة ربوية كالصريحة وما كان للشرع أن يحرم الربا الذي كلفته أقل ويجيز عقدا لا يختلف في نتيجته عن الربا وكلفته أعلى ومشقته أعظم والتورق المنظم في السلع الدولية والذي تجريه بعض المصارف الملتزمة بفقه المعاملات على القول بجوازه مع بعده في النظر على ما تقدم- لا بد من أن يراعى فيه شيء هو أن هذا التوجه من قبل المصارف الإسلامية بأموال المستثمرين المسلمين إلى السلع الدولية والأسواق العالمية والمحافظ التي تتجار بالعملات أمر لا تظهر لي مشروعيته وحال المسلمين الآن كما يُعلم من ضعف وفقر وتخلف أورثهم تبعية عمياء سلختهم من دينهم ومن أن يملكوا قرارا فيما تحت أيديهم من ثروات، وما سبب ذلك إلا أنهم لا يملكون قوة اقتصادية تؤهلهم لأن يقولوا
كلمتهم يوم تحضر الأمم.
قال هانسن
فالانفتاح المالي للدول يجبر هذه الدول على التنافس في تخفيض الضرائب وتخفيض الإنفاق الحكومي والتضحية بالعدالة الاجتماعية وما ينجم عنها في
المحصلة النهائية من إعادة توزيع شمولية من الأسفل إلى الأعلى. إذ سيثاب كل من منح (الرأسمالي) الأغنى أفضل الظروف، وستكون كل حكومة تقف في وجه قانون الغاب هذا عرضة للعقوبة (1). والعجيب أن ثروات الأمة الطبيعية تستدعى لها الشركات العالمية متعدية الجنسية لتستخرجها مواد خام ثم ترحلها إلى البلدان الصناعية فترجع بعدها سلعا استهلاكية بأضعاف ثمنها، فتشارك الأمة في ثرواتها والمسلمون في الوقت ذاته يرحلون أموالهم عبر هذه العقود فكيف يجمع بين الأمرين ولم لا تستثمر أموالهم في استنباط خيرات بلدانهم؟
للأمة
لذا فالواجب -سياسة شرعية - أن تثمر هذه الأموال لاستنباط خيرات البلاد وتوفير فرص عمل بمثل هذه المشاريع لأبناء المجتمع لا أن نوفر بها فرصا استثمارية لمن وقعنا تحت أسرهم وتملى علينا قراراتهم الجائرة، وكم يأسف الإنسان حينما يرى مسلما يحرص على بضاعة مستوردة ويترك بضاعته المصنوعة محليا، فهو بذلك يوفر فرص العمل وأسواق التصريف لسلع دولية اقتصادات صانعيها رائجة وفي كل يوم يقوم نذل منهم بالتكلم في عرض نبينا.
كما أنه يقضي بالموت والتخلف على اقتصاد بلده ويشجع بطالة بنيه التي هي سبب لكل بلاء، ولئن ألزمت الحكومات باتفاقات منظمة التجارة العالمية أفلا يملك الأفراد بحريتهم الشخصية وشعورهم بواجبهم الديني والوطني قوة على
(1) هانسن، فخ العولمة، ص 107.
-109 -
-10^-