فن السير عند الإباضية لعمر ناصر
الجزء ١ · صفحة ٣نعود إلى الوراء لنستقرئ التاريخ فنجد أن الاضطهاد الكبير ابتدأ من طرف بني أمية وعمالهم الذين استولوا على الحكم ظلما و جورا وطغيانا انطلاقا من عصبية قبلية مقيتة وقمع المعارضة مهما كان مصدرها وبما أن الاباضية كبعض الفرق يرفضون اغتصاب الإمارة وحصرها في جنس معين متميز عن غيره فقد جاهروا بالرفض علنا وفق ما تمليه عليهم مبادئهم وتكوينهم العقدي الصلب و بالتالي لاقوا في سبيل مواقفهم الشجاعة حرب إبادة شعواء لا هوادة فيها وشتى أنواع التنكيل والتضييق بدأها الحجاج ثم تبعه من بعده بقية الولاة في العراق وفي كامل الجزيرة العربية و اليمن و مصر إلى أن تمكن أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح في النهاية بعد تخطيط دام سنوات عدة في الكتمان أن يؤسس أول إمارة اباضية مستقلة بشمال إفريقيا إلا أن بطش الولاة امتد إليه و قضى عليه ولم يتمكن عبد الرحمن بن رستم من إنشاء دولته إلا بعد هروبه و تخفيه لمدة طويلة فكانت أول و آخر دولة اباضية مستقلة بالمغرب الأوسط حيث لم يبتسم لهم القدر مرة أخرى فداهمهم العبيد يون الشيعة و احرقوا مكتبتهم الشهيرة <<المعصومة>> وتابعوا فلولهم في أعماق الصحراء إلى مشارف وارجلان وحاصروهم ثم خربوا مدينتهم، ولعل أهم حادثتين وقعتا بعد هذه الفترة هي إحراق كتب المخالفين في قلعة درجين بالجريد التونسي من طرف المعز بن باديس (440ه -1048م)، ثم إحراق كتب المخالفين في مراكش من طرف المرابطين تعبران بصدق عن مدى احتدام الصراع المذهبي في شمال إفريقيا بل وتفاقم إلى حد إخضاع الآخر بالقوة كما حدث في تخريب وارجلان من طرف : المنصورالحمادي سنة 442ه-1052م وكذا تخريب سدراته بعد ذلك من طرف يحيى بن إسحاق الميورقي المعروف بابن غانبة سنة 634ه-1236م. فلما لم تجد فلول الاباضية مظلة تحتمي بها كغيرها من بقية المذاهب الموجودة آنذاك آثرت الانطواء و الانزواء والتخفي بعيدا عن أعين السلطان إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.