أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ١٨

(1) اشارة الشماخي الى جربة عند تعداده للمواطن التابعة لامامة عبد الملوهاب بن رستم (171 هـ - 211 هـ) حيث يقول، وغيرها تحت ولايته وكذا جربة (3). (2) سعي والي جبل نفوسة من قبل الرستميين (4) أبي منصور إلى استبقاء جربة تحت نفوذه عندما انشق عليه ولد خلف بن السمح وانحاز في جربة (5).

إلا أن هذه الاشارات تفيد كثيرا بالنسبة الى تقييم الحركة العلمية التي ستنضبط بعض معالمها لذلك رأينا من الاحسن أن نشير بايجاز الى الحركة العلمية التي أخذ منها أهل جربة ونسجوا على منوالها.

صلي الله عليه وسلم.

ان نسبة الدين (6) في جزيرة جربة – تثبت أن أبا مسور أخذ عن أبي معروف عن محمد بن يانس عن أبي خليل عن حملة العلم عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جمع من الصحابة عن رسول الله كان على اطلاع على أن المذهب الاباضي بدأ كغيره من المذاهب الاسلامية على هيئة حركة علمية تأسست في البصرة على يد الامام التابعي جابر بن زيد (متوفى سنة 93 هـ) ثم تأصلت على يد تلميذه أبي عبيدة فواضح اذن أن أبا مسور (متوفى 145 هـ) وعلى أيامه اتسعت هذه الحركة العلمية في صورة دقيقة التنظيم على هيئة مجالس علمية يفد إليها الرواد من أطراف العالم الاسلامي، وفعلا فقد أخذ هذه الصورة الناصعة حملة العلم الخمسة (7) وعملوا على استجلاب أكثر عدد ممكن من الكتب تخص بالذكر منهم الامام عبد الرحمان بن رستم الذي أسس الدولة الرستمية وقد حافظت هذه الجزيرة على بعض منها بعد أن أبادتها الحروب في مواطن أخرى من مواطن الأباضية – نذكر منها: 1 - رسائل الامام جابر بن زيد (8).

4 - مدونة أبي غانم الخراساني التي رواها عنه الامام عبد الوهاب في تاهرت (9).

2 - كتاب النكاح للامام جابر بن يزيد. 3 - كتاب الصلاة للامام جابر بن زيد.

كما أن الشيخ أبا مسور عرف عن كتب ازدهار حلقات العلم بجبل نفوسة قبل واقعة مانو 283 هـ التي مات فيها أربعمائة عالم (10) ولا شك أنه حمل معه ما جمعه من كتب مفيدة عند اقامته للتعلم بالجبل. ان كل هذا الزاد الذي تجمع لأبي مسور سيكون نواة للحركة العلمية التي ستعطي أكلها في الجزيرة بعد حين. فكيف كان نشاط أبي مسور في جربة؟ وما هي نتائجه؟

وحالما اكتملت ثقافة أبي مسور عزم على الاستقرار في الجزيرة فوجد شيئا من العنث من النكار (11) في بداية الامر لكن دمر وظل يطوف في أنحاء الجزيرة سرعان ما استجلبهم بالحكمة والموعظة الحسنة وجاءته المؤازرة من بادية زواغة ومن جبل دمر وظل يطوف في يعلم الناس الى أن ذاع صيته وأقبلت عليه وفود الأباضية من عدة جهات وقد كان يحسن لهؤلاء جميعا ويطعمهم الطعام. ولما شعر بتزايد عدد التلاميذ أسس لهم مأوى يجمع شملهم ويكون مدرستهم، فشرع في بناء الجامع الكبير، فكان خاتمة أعماله اذ توفاه الله قبل أن يتمه (12) في النصف الأول من القرن الرابع. فكان هذا الجامع أشهر مدرسة علمية اباضية وقد تخرج منها ودرس فيها أشهر علماء الاباضية.

وان لم يترك أبو مسور مؤلفات فيكفيه أنه أسس هذا الجامع وأسس مدينة حومة السوق (13) وكون رجالات كان لهم

(3) السير ص 161 (4)

زمن امامة يوسف بن محمد بن أفلح الرستمي. (5) طبقات الدرجيني ج 1، ص 86. (6) انظر. ط حجرية لشرح الحائية من ص 8 الى 10.

(7) سير الشماخي ص 124 وهم أبو الخطاب عبد الأعلى. عبد الرحمان بن رستم عاصم السدراتي، اسماعيل بن دارار الغدمسي أبو داود

القبلي

(8) انظر: مجلة الدراسات السامية، الاستاذ النامي ص 65. (9) كل هذه المخطوطات موجودة بالبارونية جربة.

(10) طبقات الدرجيني ص 189.

(11) سير الشماخي 346

(12) كتاب السيرة ج 1، ص 150

(13) سير الشماخي ص.404

الفضل في مواصلة عمله. نذكر منهم

أولا ولده فصيل ابن أبي مسور الذي أنهى بناء الجامع الكبير وحرص على المشاركة في ثورة أبي خزر ضد الشيعة لكن عندما بلغه خبر فشلها غير منهجه في الحياة وعمل على إرساء قواعد نظام العزابة بتكليف تلميذه أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر بأن يقوم بهذه المهمة وأرسل له وفدا من الجزيرة يضم ولديه يونس وفصيل ليكون نواة للحلقة الأولى، وفعلا نفذ التلميذ رغبة شيخه فكانت السيرة المسورية البكرية نسبة الى ابن أبي مسور وله فضل التحريض والى ابن أبي بكر وله فضل استفراغ جهده في وضع قوانينها. ونظام العزابة الذي كان ثمرة من ثمار الحركة العلمية بجربة، وهو هيئة اسلامية تقوم مقام السلطان عند غيابه للاشراف على جميع حاجيات الأمة الدينية والدنيوية عدا اقامة الحدود، وبفضل هذا النظام الذي ما يزال قائما في وادي ميزاب استطاع الاباضية أن يحافظوا علي كيانهم الى يومنا هذا (14). ويكفي الشيخ فصيل فخرا أنه كان سببا في إرساء قواعد هذا النظام وان لم تذكر له المصادر مؤلفات وقد توفي في العقد الرابع من القرن الخامس هجري. ثم نذكر تلميذه أبا محمد عبد الله بن مانوح اللمائي وهو أحد أعضاء اللجنة التي تعاونت على تأليف ديوان العزابة وهم جماعة غار مجماج (16) أبو عمران موسى بن زكرياء، أبو عمرو النميلي، أبو يحي زكرياء ابن جرناز، جابر بن سدرمام، کباب بن مصلح المزاني، وأبو مجبر توزين المزاتي. ويعتبر من أقدم الموسوعات الفقهية وقد طبع منه قسم الطهارات واليه يشير البرادي في رسالة الكتب بقوله، «وكتاب الأشياخ أعني الديوان يكون في ستة أسفار صغار أو ثلاثة كبار (17). ثم نذكر تلميذه الثالث أبا محمد ويسلان وهو أول من ترأس نظام العزابة في جربة وقد كان مختصا في علم الفروع، فتكونت حلقتان: احداهما على أبي محمد ويسلان، وقد وقف بهم عند أبواب الفقه تلاميذه على تدوين ملاحظاته وحرص وعرضها عليه فكان كتاب الوصايا والبيوع (18) والثانية حول أبي الربيع سليمان بن يخلف في أصول الدين وكانت منطلقا

لكتابه المسمى: كتاب التحف» (19) ويقول عنه البرادي من أشرف تصانيف أهل الدعوة في الأصول والكلام. وتكون وفاة الشيخ أي محمد في النصف الثاني من القرن الخامس هجري.

ثم يرفع المشعل بعد هؤلاء التلاميذ حفيدا الشيخ أبي مسور وهما زكرياء ويونس ابنا فصيل طيلة النصف الثاني من القرن الخامس وتروي كتب السير أن الشيخ زكرياء بقي مهتما بالتدريس فارا من تحمل المسؤولية الى أن توفي المشائخ فصار يركب حمارا كل جمعة ويتفقد أهل الدعوة في جربة يصطحب معه الفتيان امرا بالخير ناهيا عن المنكر معلما السير مميتا للبدع هذا دابه حتى مات زحمه الله سنة 308 هـ (20) أما أخوه يونس فقد كان مؤازرا له ومهتما بتدريس أصول الدين. وبعد موت زكرياء ويونس عرفت الحركة العلمية بجربة بعض التراجع وذلك لما عرفته الجزيرة من كثرة الفتن بداية من حملة المعز بن باديس سنة 431 هـ الى حملة النصارى سنة 529 هـ فقتل عدد من العلماء وأقبل التلاميذ في هذه المرحلة على وارجلان حيث برز علماء أقطاب أمثال الشيخ أبي عمار عبد الكافي وغيره (21). ولم يعرف هذا القرن إلّا أسماء قلائل استطاع أصحابهما أن ينقلوا لمن بعدهم ما وصلهم من تراث وهم داود بن ويسلان والقاسم الزواغي وأبو مسعود وابنه فصيل وزكرياء وهؤلاء الثلاثة من أحفاد أبي مسور ويقول الدرجيني عن فصيل ابن أبي أنه، جدد من السير ما أشفى على الانقراض (22). مسعود ثم يعرف القرن السابع حركة دؤوبا للحرص على إحياء ما اندرس على يدي الشيخ أبي محمد عبد الله الصدغياني والشيخ

(14) أبو اليقظان ابراهيم الأباضية في افريقيا ج 3 ص 15 (15) انظر دراستنا عن العزابة طـ المطبعة العصرية تونس 1975 (16) يوجد الغار بحومة مجماج بجربة وقد بني حذوه مسجد يعرف بجامع الغار أو جامع ابن بيان. (17) الجواهر للبردي ص 220 (18) مفقود.

(19) وتوجد نسخة منه بالبارونية. (20) سير الوسياني ص 58

(21) انظر محاضرة الدكتور النامي: الاصالة: الجزائرية عدد 42 فيفري 1977 ملامح عن الحركة العلمية بورجلان. (22) الطبقات ج 2 ص 505.

27 26