أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ١٩صالح بن نجم المغراوي أما الأول فقد اهتم بالمصالح الاجتماعية وأما الثاني فقد عكف على التدريس في الجامع الجديد مدة
أربعين سنة.
وفي هذه الأثناء عرفت الحركة العلمية بجربة دفعا جديدا سيكون له بعيد الأثر فيما بعد ويتمثل في وصول عدد من الكتب من بلاد عمان، وطلب العمانيين من المغاربة أن يدونوا سير أسلافهم فكان كتاب طبقات الدرجيني وهذه قصته كما يرويها البرادي في كتاب الجواهر (23) «ذكر لي بعض العزابة أن سبب تأليف أبي العباس هذا الكتاب، لما وصل الحاج عيسى ابن زكرياء من بلاد عمان بما معه من الكتب كحل ابن، وصاف، وجامع الشيخ أبي الحسن، وجامع ابن جعفر وغيرها، فكان مما رغب اليه فيه اخوانه ان قالوا له وجهوا لنا كتابا يتضمن سير أوائلنا، ومناقب أسلافنا من أهل المغرب من لدن وقع فيه مذهبنا الى هلم جرا فانه قد عميت علينا انباؤهم وغابت عنا آثارهم من بعد الشقة وعظم المشقة، فشاور من بجربة يومئذ من العزابة والفقهاء ومن يشار بالبنان اليه من الحذاق والنبهاء وقرر طلبة أخوانهم اليهم ووصف لهم الكتاب المشروط عليهم فنظروا … فلم يروا أهلا لهذا التصنيف غير أبي العباس الدرجيني، فعندها طلبه الحاج المذكور وهو السائل الذي
وجبت طاعته».
وفعلا فقد كان وما يزال كتاب طبقات الدرجيني جامعا لسير مشائخ الاباضية ولا يستطيع أن يستغني عنه باحث في هذا المضمار وقد وفرت الحركة العلمية بجربة لصاحب الطبقات جميع ما يحتاج اليه من المصادر فجاء كتابه في لغة أدبية راقية خاصة مما عرفه كتاب السيرة وأخبار الأئمة (24) من رطانة في الأسلوب.
كما تضم المصادر في هذا العصر الشيخ ابن جميع تلميذ الدرجيني وقد كان كبير المدرسين بجامع تيفروجين وترجم عقيدة التوحيد عن البربرية (25).
ثم تثمر جهود الشيخ صالح بن نجم المغراوي تلميذه الشيخ يعيش بن موسى الزواغي الذي انتقلت معه الحركة العلمية الى جامع وادي الزبيب (26) هذه المدرسة العلمية التي صانت هذه الحركة العلمية طيلة القرن الثامن والتاسع هجري وقد سطع نجم هذه المدرسة خاصة مع الشيخ أبي الفضل أبي القاسم ابن ابراهيم البرادي وتوافد عليها الطلبة من أهل الدعوة من كل مكان وفي ذلك الجو الحافل ألف الشيخ البرادي كتابه «الجواهر المنتقاة في اتمام أخل به كتاب الطبقات» فأثبت فيه الفتنة الكبرى بكل وضوح وألح كل الالحاح على ضرورة التمييز بين الاباضية والخوارج. كما حفظ فيه موقف الأباضية من بن اباض الى الخليفة عبد الملك بن مروان وهي من أخطر الوثائق التاريخية لابراز موقف الاباضية من رسالة الامام عبد أحداث ذلك العصر ولتوضيح موقف الامام من الدعوة الى الله تعالى بجرأة نادرة. ولا يفوتنا أن نذكر رسالته في ذكر تأليف أهل المغرب وتأليف أهل المشرق وهي ان دلت على شيء فإنما تدل على ما عرفته المكتبة الأباضية من تراث ومن كما أن للبرادي رسالة ذكر فيها حقائق أكثر مسائل العلم وحدودها وشيئا من الاعتقاد والتوحيد أجاب بها الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد الصدغياني وهي من الأهمية بمكان رغم اختصارها (27).
الله ومن شمول.
كما أن للبرادي مؤلفات أخرى نذكر منها: كتاب شفاء الحائم على بعض الدعائم (28) لم يكمله اذ شرح جزء الطهارات فقط وقد جمعه تلاميذه من بعده وكتاب شرح العدل والانصاف (29) وسماه البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار معاني كتاب العدل والانصاف وهو في أصول الفقه وتوجد نسخة منه بالبارونية (30).
تلك ثمرة من ثمار هذه الحركة العلمية ستنضم اليها ثمرة أخرى من ثمار الحركة العالمية بجبل نفوسة بعد ان وجدت من العنت ما وجدت من جراء حسد الحساد بطرابلس وهذه الثمرة هي: الشيخ اسماعيل الجياطلي الذي سيفرد له الأستاذ الصادق بن مرزوق حديثا في هذا الملتقى.
(23) الجواهر ص 11 (24) أبو زكرياء يحي بن أبي بكر ق 65 هـ.
(25) وهي مطبوعة وهي عمدة جربة وميزاب تحفظ بعد القرآن والسنة.
(26) انظر نظام العزابة ص 247 هـ.
(27) مخطوطة بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب وبالبارونية. (28) منظومة الاحمد بن نظر العماني - ط. في الفقه. (29) أبو يعقوب الورجلاني.
(30) وستقدم حلقة ثالثة في كلية الشريعة عن البرادي قريبا.
وهكذا تشهد الجزيرة في هذا القرن ميلاد مجموعة من الآثار الاسلامية منها ما طبع ومنها ما يزال ينتظر دوره في فنون العلم. وننتقل بسرعة الى القرن العاشر بعد أن نلمح الى ما عرفته الجزيرة من حركة زمن ابني الشيخ البرادي عبد الله ومحمد، ولقد كان لهما باع طويل في المناظرة نذكر منها تقدم الشيخ عبد الله لمناظرة علماء تونس زمن أبي فارس الحفصي (3)، والشيخ زكرياء بن أفلح الصدغياني وله منظومة في الفرائض تضم 84 بيتا أشار اليها الشماخي (32) وتوجد بمكتبة الشيخ سالم نسخة منها (33). أما القرن العاشر فقد سطع فيه نجم الشيخ أبي النجاة يونس بن تعاريت ويكفيه أنه كان قائد الجيش الجربي الى جنب الشيخ أبي زكرياء السمومني ضد حملة النصارى سنة 916 هـ تلك الحملة التي صالت في كامل سواحل افريقيا من وهران الى طرابلس فانكسرت شوكتها أمام هذه الفئة القليلة من المؤمنين وقد اعتصمت بالله رغم قلة العدد والعدة فقيض الله لها نصرا مبينا «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» والمحاضرات في هذا الموضوع كثيرة.
وان لم تصلنا عن الشيخ يونس الا بعض الفتاوى مما جمعه تلميذه سلامة الجناوني فإنه كان سببا في إحياء وادي ميزاب حيث استجاب لطلب اخوانه الذين جاؤوا يبحثون عن عالم متطوع يحيى ما اندرس من اثار السلف فانتخب لهم تلميذه سعيد بن علي الجربي الخيري وأحسن الاختيار واليه يرجع الفضل فيما شهدته جبال بني مصعب من حركة علمية وما تزال تشهده الى الآن ولا شك أن هذا سيكون محور حديث الوافدين من الوادي.
ونرى لزاما علينا هنا أن نذكر الشيخ أبا العباس أحمد الشماخي اذ يذكر التعاريتي في رسالته عن علماء جربة أنه توفي ودفن بمقبرة مسجد تواجن. كما يؤرخ الشماخي لشرحه لعقيدة التوحيد بما يلي: فرغت منه في أوائل شعبان عام أربعة وتسعمائة وهو العام الثاني من اخراج المسلمين النصارى من جربة، كما أنه تتلمذ على الشيخ أبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي تلميذ الشيخ أبي النجاة التعاريتي كما أنه درس بتونس وكل هذا سيكون له أثر فعال في مؤلفاته وان كانت جل اقامته بالجبل، وأهمها كتابه السير المشهور في أخبار علماء أهل الدعوة المرضية من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الى زمانه.
وكتاب شرح عقيدة التوحيد للشيخ ابن جميع وقد أشرنا اليه من قبل «مطبوع». وكتاب اعراب مشكل الدعائم وقد انتهى من تأليفه سنة 880 هـ وبالبارونية نسخة منه نسخت سنة 1089 هـ. وكتاب شرح مرج البحرين للشيخ أبي يعقوب الوارجلاني في المنطلق لم اطلع عليه.
ورسالة في الرد على صولة الغدامسي مخطوطة بالبارونية ورسالة في حكم المفقود والحامل له على تأليفها اختلافه مع علماء عصره بجربة. وله عدة فتاوى وكل مؤلفاته تبدل على سعة اطلاعه وتمكنه في العلوم الاسلامية على اختلاف أنواعها. وقد شهد هذا القرن بطولة الشيخ أبي سليمان داود التلاتي الذي أخذ العلم من جربة ومن الجبل ومن وادي ميزاب وساد بجربة وتصدى لهجومات درغوث باشا وبين له أنه هو سبب البلاء في جربه بقوله بل الفساد من قبلك لتقديمك الاسافل» فسجنه ثم أمر بقتله سنة 967 هـ (34).
وهكذا نصل الى القرن الحادي عشر حيث تذكر المصادر استمرارية حلقات العلم مع الشيخ عبد الرحمان الجيلاتي حامل علم المعقول من القاهرة والشيخ سعيد بن محمد التغزويسنى وقد كان مهتما بالتدريس بجامع وادي الزبيب (متوفى 1073 هـ) والشيخ قاسم اليونسي وقد عرف بحركيته في توسيع جامع الشيخ بحومة السوق وقد توفي 934 هـ. إلا أن الحركة العلمية بالجزيرة شهدت في النصف الثاني من هذا القرن ثلاثة أقطاب وهم: أولا: الشيخ عبد الله بن سعيد السدويكشي ويذكر ابن تعاريت أنه تولى رئاسة مجلس العزابة وكان يحكم بين المتخاصمين في مسجد بني وهنالك يجتمع عليه غالب فقهاء «الجزيرة» … ، وله في الكلام اليد العليا … وله مؤلفات عديدة منها:
حاشة كتاب الايضاح للشيخ عمر الشماخي ط. حاشية على كتاب الديانات للشيخ عامر الشماخي
(31) بسير الشماخي ص 575 (32) نفس المصدرص.576
(33) دفتر رقم 1 ص 3736 (34) نسبة الدين ملحق السير ص 583
لاكين 29 28