أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ٢٠

وله رسائل أخرى وفتاوى منها ما طبع ومنها ما يزال مخطوطا. وقد توفي سنة 1068 هـ بمكة المكرمة. ثانيا: الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر ابن أبي ستة اشتهر بالمحشي. لقد ارتحل الى مصر بعد أن حفظ القرآن في الجزيرة وبقي هنالك دارسا ثم مدرسا من 1040 هـ الى 1068 هـ أي

28 سنة ثم استقر بالجزيرة فظل حريصا على إحياء حلقات الدرس ينتقل بين سدويكش وقلالة وغيزن وغيرها وبمسجد بني لاكين كانت أهم هذه المجالس حيث يجلس للحكم بين الناس. كما أن هذه الحركية لم تمنعه من التأليف فكانت حواشيه على جل كتب الأباضية ذخرا للكتاب الاسلامي اذ جاءت دراسات مقارنة بين مختلف آراء علماء الإباضية وبين آراء علماء الاسلام عامة، وهذا تلميذه علي بن بيان جامع حواشيه يذكرها كلها في آخر حاشية كتاب القواعد للشيخ اسماعيل وهذه أول تصانيفه وقد بدأها في أواخر سنة 1057 هـ ومما صنفه رحمه الله حاشية على كتاب الحاشية على القواعد هي الوضع (35) في سفر ضخم. ومنها حاشيته على كتاب الترتيب في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعة أسفار (36) ومنها حاشية على كتاب البيوع للشيخ عامر الشماخي (37) ومنها حاشية جليلة علي مختصر العدل وشرحه لمعنا احمد بن سعيد الشماخي رحمه الله إلّا أنه لم يكملها (38) … ويعدد له حوالي عشرين حاشية لم ثم يذكر … «كلما دخل يده كتاب وأمعن فيه النظر وكتب عليه ما تيسر له … ».

ذلك هو عطاء الشيخ المحشي للثقافة الاسلامية عطاء يدل على موسوعية الرجل وعلى نزعته التعليمية في الأخد بيد القارئ حتى يجعله بين سيل من المراجع تغنيه في أغلب الأحيان البحث والعناء. وقد توفى رحمه الله بجربة سنة 1088 هـ.

من عن

ثالثا: الشيخ سليمان بن أحمد الجيلاتي متوفي (1099 لا شك أنه درس في مدرسة وادي الزبيب وتتمثل أهميته فيما ترك من رسائل موجزة إلّا أنها حافلة يضبط تاريخ شتى الوقائع الطبيعية والحملات الصليبية مع محاولة لتحديد تاريخ وفاة عديد العلماء وهذه الرسائل كانت منطلقا أساسيا لرسالة الشيخ سعيد بن تعاريت (متوفي 1089 هـ) وتعتبر بمثالة الملحق لسير الشماخي، ولقد حققنا رسالته في عزابة الجزيرة (39) وعسى الله أن يمن بتحقيق رسالته في مشاهد الجزيرة. وبوفاة الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي يطل علينا القرن الثاني عشر وقد عمل على مواصلة الحركية فيه الشيخ يوسف ابن محمد المصعبي وولده محمد بن يوسف المصعبي. ويذكر ابن تعاريت عن الشيخ يوسف الذي دخل جربة مع والده انه كان مهاب الجانب يعظ الأمراء والحكام ولا يخشى في الله لومة لائم. وقد كان ضمن الوفد الجربي الذي مثل الجزيرة بالملتقى العلمي الذي انعقد بلالوت سنة 1103 هـ للنظر في قضية فقهية. وله عدة حواش وقد اعتبر المحشي الثاني ونذكر منها. (1 حاشية على تفسير الجلالين (40). (2) حاشية على كتاب الديانات للشيخ عامر (41).

(3) حاشية على كتاب الشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي في أصول الدين (42) وهي اتمام لعمل شرع فيه المحشي (أبو

سنة).

وهذه الحواشي تدل على طول باع الشيخ يوسف المصعبي وهي تيسر ما في هذه المختصرات من مغلقات في مستوى اللغة وفي مستوى المعاني بحيث تغني القارئ عن عديد المراجع. ويذكر له ابن تعاريت حواشي أخرى منها ما اطلعنا عليه ومنها ما لم نطلع عليه. وقد توفي رحمة الله سنة 1088 هـ.

(35) طبعة حجرية بالبارونية.

(36) انظر البارونية - مكتبة الشيخ حمو بغارداية. وطبعت برنجبار سنة 1308 هـ.

—

(37) مطبوع 1971 بيروت. (38) لم أطلع عليه.

(39) ملحق نظام العزابة ص.324

(40) مخطوطة بالبارونية كاملة.

(41) ج بالبارونية أيضا. (42) موجودة بمكتبتي الخاصة.

1315 هـ.

أما ولده الشيخ امحمد بن يوسف المصعبي (متوفي 1207 هـ) فقد تولى منصب والده في جميع الأمور من رئاسة مجلس العلم والحكم والتدريس والفتوى بمدرسة الجامع الكبير ونعرف من مؤلفاته. شرح الحائية (لابي نصر فتح بن نوح الملوشائي) ط. جربة مصر وقد أثبت في بداية الشرح وثيقة هامة بين فيها نسبة الدين وهي سند الأباضية عبر العصور جيلا بعد جيل (43). واثر وفاة الشيخ امحمد المصعبي اسندت رئاسة العلم بالجامع الكبير للشيخ سعيد بن عيسى الباروني (متوفي 1284 هـ) وهو شيخ بن تعاريت صاحب الرسالة في تاريخ جربة 1289 هـ) وقد ذكر أسماء بعض المدرسين في عدة مساجد. إلا أن شكواه مما في عصره «ومع هذا الضعف في العلم والرأي تجدهم لا يتحدون على لفظة وكل مقتنع برأيه وما عنده من علم» تدل على أن السفينة فقدت الربان وأمة بدون قيادة - انهيار نظام العزابة - لا يمكن أن تستقيم فيها حركة علمية وهكذا صارت هذه المدارس خاوية على عروشها شيئا فشيئا وحق للشيخ سعيد بن أيوب الباروني (ق 11 هـ) ان يقول: تلك المساجد سلوا كلكم جميعا

1

وما السبب في خراب تلك المعابد وكانت مناهلا لدى كل وارد

فصارت

خلا واليوم فيها غوارد شكوت الى رب معين وناصر (44)

فماذا يقول يا ترى لو شاهد زوالها من الخريطة تماما؟ هكذا في نهاية هذا البحث يمكن أن نستنتج ما يلي: لقد استطاعت هذه الحركة العلمية أن تصمد أمام صدمات الزمان عصورا طويلة ذلك أن هذه الجزيرة تعرضت عبر تاريخها لهجومات عنيفة من الفاطميين والصنهاجيين وبصفة خاصة من الصليبيين ناهيك أنها بقيت تابعة لصقلية مالا يقل 75 سنة 50 متواليات و 25 متفرقات.

عن

عند الحاجة.

2.80

ص ج

كما أنها تمكنت من تمويل ما فيها من مدارس علمية وكثرة المساجد أكبر دليل على ذلك يقبل عليها الطلبة من أطراف البلاد، ويقول الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكرياء في رسالة وجهها الى الامام بلعرب سلطان بن مالك إمام عمان 1091 هـ 1204 إثر زيارته الأباضية هناك: واخبرك يا نعم السيد ببعض أحوال جربة من أهل هذه الدعوة أي الأباضية في زماننا هذا مع ضعفهم وقلتهم وسوء خالهم ومعهم. من مدارس العلم ما يزيد على العرشين كل يعلم قدر علمه» تحفة الأعيان واعتماد هذا التمويل على ما يتطوع به أهل الاحسان من أوقاف وللبرادي رسالة في طريقة توزيع الأوقاف. كما أنها كانت على اتصال وثيق بسائر مواطن الأباضية من أطراف جبل نفوسة الى حوزة وارجلان عبر قابس وبلاد الجريد دون الغفلة عن جبال بني مصعب وأطراف عمان أفادت واستفادت عن طريق الاتصال المباشر وعن طريق المراسلات أمدت هذه النواحي بالعلماء عندما تقلص منها العلم واستعانت بهم وعن هذه الحركة العلمية انبثق علماء اجلاء حرصوا على أن يكون الاسلام عقيدة وقولا وعملا، وعملوا ما في وسعهم على أن تبقى بلادهم مسلمة رغم عنف الحملات الصليبية وحرصها على اخراجها من خريطة العالم الاسلامي كما أخرجت صقلية وبلاد الأندلس، فبقيت هذه الجزيرة بفضل الله وبفضل صمودهم تحمل لواء الاسلام. وقد سال مداد أقلام هؤلاء العلماء الممتثلين لأمر الله تعالى «اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فخلد آثارا في مختلف فنون العلوم الاسلامية تمثل نزعة فكرية مستقلة لها أسسها الثابتة في فهم کتاب الله تعالى وفي فهم حديث الرسول عليه السلام وفي استنباط ما تحتاج اليه الأمة من أحكام. ورغم هذه الاستقلالية الفكرية التي توحي بفكرة الانغلاق لا يفتأ القارئ ينطلق مع هذه التصانيف حتى يلمس أن جلها قائم على المقارنات وهي أكبر دليل على الانفتاح ورحابة الصدر ولن يتردد المحشي وغيره من ايراد آراء جل المذاهب

الإسلامية في قضية ما بعد تقرير موقف الأباضية منها. وهذه المصنفات منها ما برز الى الوجود وصار في عداد المفقود - مثل كتاب الجواهر وسير الشماخي ـ ومنها ما يزال ينتظر همم الباحثين عسى أن يتخلص من عبث السوس وتراكم الغبار. ونختم من حيث بدأنا، فنلمس اننا لم نقف إلا عند القليل ممن ذكرهم الحيلاتي في جولته عبر المساجد والمشاهد فالى جولة أخرى إن شاء الله تعالى والله الموفق الى أقوم السبل.

(43) انظر ص 2 من المحاضرة. (44) ملحق نظام العزابة ص 335

31 30