أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ٢٥ابتعاد أدوار الشمس ونقصان فيوضاتها المفيدة وقلة العارفين وكثرة الاشرار وانقطاع الوحي ومن المحتمل أن أشار به الى ثورة أبي يزيد مخلد ابن كيدر صاحب الحمار. فأنصار الفاطميين كانوا يقولون لأبي يزيد الدجال والقاضي النعمان في افتتاح الدعوة سماه الدجال عدة مرات وجاء في قصيدة الحدثان المذكورة بصدد امرئ من أبناء فاطمة. وبالأغور الدجال ينهد جمعه ويقتله من بعد عيسى ابن مريم
سوى عصبة في بادخ الطرد راتب
بقدرة ربي ما له من مغالب
ولا شك في أن الدجال ذا العور هو في قصيدتنا ايضا أبو يزيد وفي قصيدة الحدثان أشير بالطرد الى موقع المعركة التي جرح وأسر فيها أبو يزيد. ومن الممكن أن تكون في جبلي قصيدتنا أيضا اشارة الى موقف المعركة إلا أن الجبال في تأويل الاسماعيلية تمثل الدعاة ولذلك أظن أن الجبل الاصفهاني الجهنمي رمز جملة دعاة الخوارج وأنصار أبي يزيد والجبل البصري رمز دعاة اسماعيل المنصور الخليفة الفاطمي الذي غلب أبا يزيد ومن الممكن أن اراد الشاعر زيادة على ذلك اخبارنا بأنه داع من دعاة دعوة البصرة ويجوز لنا الاستدلال بذلك كله على أن قصيدة اخوان الصفا نظمت في سنة 947. أي قبل أسر أبي يزيد بقليل.
وشكرا
العلاقات السياسية بين طرابلس وجربة في القرن السادس عشر
40
حبيب وداعة الحسناوي
تحتل جزيرة جربة موقعا استراتيجيا ممتازا على طرف خليج قابس فهي صالحة لتكون مركزا تجاريا لربط سواحل طرابلس وتونس، ومركزا حربيا لتموين السفن الغازية أو المدافعة عن تلك السواحل، وقد لفت هذا الموقع الممتاز أنظار الدول البحرية المتصارعة في البحر المتوسط منذ أقدم العصور كالفينيقيين والرومان والبيزنطيين الذين تعاقبوا على حكم طرابلس، وكان لهم وجود فعال في جزيرة جربة. ومع بداية الفتح العربي لشمال افريقيا، يسجل لنا ابن عبد الحكم أنه في سنة 46 هـ (667/ 666 (م) تم تعيين رويفع ابن ثابت الانصاري عاملا على طرابلس وانه قام في العام التالي بفتح جربة وقفصة وقسطيلة، مما يؤكد على أهمية الموقع الاستراتيجي الذي تحتله الجزيرة على طرف خليج قابس في تأمين الغارات على طرابلس
من
ناحية الشمال الشرقي.
والمعلومات التي نعرفها على نحو مؤكد عن تاريخ العلاقات بين طرابلس وجربة منذ الفتح العربي وحتى الحملة الأسبانية على شمال افريقيا في بداية القرن السادس عشر، تؤكد على تأثر طرابلس وجربة بالاحداث التي تتعرض لها المنطقة، وان هذه الاحداث تترك آثارها أو تنعكس آثارها في العلاقات بين طرابلس وجربة هذه العلاقات التي ترجمت نفسها في علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية وصلات اجتماعية ما زالت آثارها باقية حتى اليوم، وفي تبعية سياسية، حيث أن طرابلس وجربة كانتا تخضعان في بعض الفترات الى سلطة سياسية واحدة وكانت جربة تتبع طرابلس اداريا ويمكن الاستنتاج أن تبعية جربة لطرابلس كانت تتأثر بالتطورات في المنطقة فهي في بعض الأحيان تخف، وفي أحيان أخرى ينجح أهل الجزيرة في تحقيق استقلالهم الذاتي واقامة ادارات محلية في الجزيرة أو تتحول تبعيتها الى تونس وقد تقع الجزيرة تحت السيطرة المسيحية. وفي بداية القرن السادس عشر كانت جربة تتمتع بحكم ذاتي بعد أن تخلصت من السيطرة المسيحية، وقامت بها ادارة ذاتية. أما طرابلس فقد كانت تحكم ذاتيا أيضا وكان على رأس ادارتها الشيخ عبد الله، وكلاهما كانا في الأساس جزءا من الدولة
الحفصية الآيلة الى الانهيار والضعف.
وفي هذه الورقة سوف نحاول تتبع العلاقات السياسية بين جربة وطرابلس في القرن السادس عشر عندما كان البحر المتوسط والشمال الافريقي مسرحا للصراع الدامي والعنيف بين الدولة العثمانية وأسبانيا. فقد انعكس تأثير هذا الصراع على طرابلس وجربة على وجه الخصوص، وارتبط مصير جربة في هذه الفترة بمصير طرابلس، اذ كانت تحتل موقعا له أهميته الكبيرة بالنسبة لسلطات طرابلس وأصبحت جزءا من المناطق التابعة لطرابلس منذ هزيمة الأسبان وفرسان القديس يوحنا في
41