أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ٢٦طرابلس سنة 1551 م وحتى بداية القرن السابع عشر عندما عادت تبعية الجزيرة لأيالة تونس التي كانت تسعى أيضا، أيالة عثمانية سنة 1574 م، إلى مد سيطرتها على الجزيرة. وحتى قبل أن تصبح عندما احتل الأسبان مدينة طرابلس في صيف سنة 1510 م، سارعت قيادة قوات الاحتلال بتوجيه حملة ضد جزيرة
جربة، وذلك بهدف تأمين الوجود العسكري الأسباني في طرابلس والحصول على قاعدة بحرية لتموين الأسطول، قريبة من السواحل التونسية التي ستكون ميدانا للعمليات القادمة. ولهذا الغرض توجه بيترودي ناقارو على رأس حملة بها جنود يتقنون اللغة العربية ومكونة من ثمانية مراكب شراعية لاستطلاع جزيرة جربة (1)، وكان يعتقد أنه قد يتمكن من احتلال الجزيرة بهذه القوة الصغيرة. ولكن الجرابة الذين علموا باحتلال الأسبان لمدينة طرابلس كانوا قد استعدوا لمواجهة الانزال الأسباني المحتمل، ونظموا دوريات لحراسة السواحل، وعندما أدرك دي نافارو حجم قوة المدافعين عن الجزيرة، حاول التفاوض معها سلميا، فأمر بأن ينزل الى البر ثلاثة من الجنود الذين كانوا يتقنون العربية ويحملون راية بيضاء علامة على السلام، ولكن حرس الحدود هاجموهم بدون أن ينتظروا منهم حديثا، وقتلوا واحدا منهم وأجبروا الاثنين الآخرين على الفرار، حيث توجها الى مراكبهم ثم اقترب الحراس من ساحل البحر ووجهوا تحذيرا للسفن المعادية جاء فيه: «ان الجرابة يفضلون الموت على التسليم تحت أي شرط كان وبأن شيخ الجزيرة وسكانها قد عقدوا العزم على الدفاع عن عقيدتهم وعن ترابهم ونسائهم وأطفالهم وممتلكاتهم كي لا يقعوا غنيمة في أيدي النصاري» (2)، ولما رأى بترودي ناقارو أنه لا سبيل لاستسلام الجزيرة، أصدر أوامره بأن تفرد السفن أشرعتها وتعود الى طرابلس بعد أن استطلع النقاط التي يسهل عندها انزال الجنود عندما يعود للهجوم على الجزيرة مرة أخرى.
وبعد رجوعه الى طرابلس في 9 أغسطس بادر في الحال الى اعداد حملة كبيرة ضد جربة، وقد بلغ عدد قوات الحملة 12 ألف مسلح، علاوة على قوة أخرى قوامها ثلاثة آلاف جندي، جاء بها غارسيا الفاريز التوليدي ومعه أحد اخوته وعمه فردينايد، بالاضافة الى عدد كبير من الفرسان الذين قدموا للاشتراك في الحملة.
منهم
وفي يوم الثلاثاء 27 أغسطس أبحر أسطول الحملة اسباني من طرابلس في اتجاه جربة. وفي صباح يوم الخميس ظهر الأسطول أمام شواطئ جربة. وكان شيخ الجزيرة أبا زكرياء يحي السمومني، الذي رفض تسليم الجزيرة، قد أخذ وأولاده يحرضون الناس على الاستبسال والصمود في وجه العدو (3) وقد استغل أهل الجزيرة حالة الطقس الخانق الشديد الحرارة، فأقاموا كمائن للأسبان قرب آبار المياه، وعندما أخذت عساكر الغزو تتهافت على آبار المياه هاجمتهم القوات العربية، وقتلت أعدادا كبيرة تقدر في بعض المصادر بأربعة آلاف رجل، وتقدرها بعض المصادر العربية بعشرة آلاف قتيل (4). وكان من بين الموتى بعض الشخصيات الأسبانية الهامة، مثل دوق غارسيا دي توليدو وابن دوق ألبا. وبعد هذه الكارثة التي حلت بالحملة غادر الأسطول جزيرة جربة يوم 31 اغسطس، وقد أسهمت الطبيعة في اتمام الهزيمة اذ قامت زوابع بحرية عنيفة أسفرت عن تحطيم عدد من سفن العدو ولم تصل بقايا الأسطول الى طرابلس إلا بعد عناء شديد). ورغم فشل حملة أغسطس ضد جربة، فقد بادر دي ناقارو الى معاودة المحاولات لتحقيق سيطرة أسبانية على أماكن أخرى جديدة على السواحل الأفريقية العربية تعيد البريق لانتصاراته السابقة التي خبت بفعل هزيمة جربة. وفي نطاق هذه المحاولات قام في اكتوبر بمهاجمة المنستير، ولكن هذه الحملة فشلت ويعلل روسي فشل هذه الحملة الى العواصف التي
(1) شارل فيرو الحوليات الليبية منذ الفتح العربي حتى الغزو الايطالي الكتاب الأول. نقلها عن الفرنسية وحققها بمصادرها العربية ووضع مقدمتها النقدية: محمد عبد الكريم، الوافي طرابلس ليبيا: دار الفرجاني (1973) م ص،83 کوستانزو برنيا، طرابلس من 1510 إلى 1850 متعريب: خليفة محمد التليسي طرابلس - ليبيا: دار الفرجاني (1969 م)، ص 31 (2) نفس المصدر، ص 84 محمد أبوراس الجربي مؤنس الأحبة في أخبار جربة حققه ومهد له وعلق عليه: محمد المرزوقي، تونس: المطبعة الرسمية (1960) ص 106 – 107 برنيا ص 31 (3) شارل فيرو، ص 84 - 89، محمد أبوراس الجربي، ص 107 - 108 أتوري روسي ليبيا منذ الفتح العربي حتى 1911 م، تعريب وتقديم خليفة محمد التليسي – بيروت - لبينان: دار الثقافة (1974) ص 148. (4) للمزيد من التفاصيل حول هذه الحملة، أنظر شارل فيرو الذي يذكر نقلا عن رواية مارمول ان الأسبان فقدوا ألفا وخمسمائة رجل، بينما يذكر روسي، ص 148 أن عدد القتلى في صفوف الغزاة قد ارتفع إلى أربعة آلاف بين قتيل وجريح. وفي رواية أخرى الى الفين، وقارن مع محمد أبوراس الجربي، ص 108 الذي يقول: وهلك من الكفار ما يقرب من عشرة آلاف ورجعت بقية مراكبهم خائبة الى طرابلس».
وبرنيا ص 32
(5) شاول فيرو، ص 90 روسي ص 148 149 محمد أبوراس الجربي ص 108. برنيا، ص 32.
طرابلس.
روسي
أجبرت دي ناقارو على العودة الى طرابلس بعد أن تكبد خسائر فادحة في سفنه ورجاله (6). وفي الشتاء هاجم الأسبان جزيرة، قرقنة ولكن هذه الحملة كان مصيرها الفشل أيضا. وهكذا لم يستطع الأسبان خلال السنة الأولى لاحتلالهم مدينة طرابلس تحقيق هدفهم في احتلال جزيرة جربة وقرقنة وتأمين حماية استراتيجية لوجودهم في بعد رحيل بادرو دي ناقارو عن طرابلس، لا نجد في المصادر التي بين أيدينا أي ذكر لمحاولات أسباتية مباشرة لاحتلال جربة، وان كان يذكر أن قنصل فينيسيا ببالرمو قد أخبر أن ثماني سفن دون أن يذكر جنسيتها، قد خرجت قاصدة جربة ولكنها لم تتمكن من الاستيلاء عليها (7). وفي الوقت الذي أخذت تشتد فيه الحملات الأسبانية المسيحية على السواحل والموانئ المغربية، بدأت الامبراطورية العثمانية تتدخل في مصيرية وأحداث المنطقة وتبعث لها بالمساعدات والرسل وتعترف بنشاط القادة المحليين، باعتبارهم مسلمين ورعايا عثمانيين وتدعم خططهم لانقاذ البلاد من السقوط في أيد أعدائهم، فأخذت بالتالي تبرز وتتعاظم في الشمال الأفريقي القوة العثمانية، فظهر على المسرح السياسي الأخوين عروج وخير الدين بربروسا اللذين نشطوا في الدفاع عن السواحل المغربية ضد التحالف التقليدي بين الأسبان والعروش الحاكمة وقتئذ، وقد أدركا منذ البداية أهمية جزيرة جربة، والموقع الاستراتيجي الهام الذي تحتله في طريق المواصلات بين غرب وشرق البحر المتوسط فاتخذاها قاعدة لهما سنة 1513، ويذكر صاحب أتحاف الزمان أن خير الدين بربروسا وأخاه قد اتخذا من جربة محطة للسفن ونقطة انطلاق في نشاطاتهما البحرية في عهد السلطان الحفصي أبو عبد أبو عبد الله محمد بن الحسن (8)، وكان وجود بربروسا في جربة يشكل خطرا على الأسبان في طرابلس، لذلك، كان الأسبان يسعون الى تقويض سلطة برباروسا المتنامية في الجزائر وطرده من قواعده في جربة، وذلك بحماية وتعزيز وجودهم في طرابلس ولهذا الغرض فقد قاموا بعدة اجراءات لتقوية التحصينات الدفاعية حول طرابلس للتصدي لأي هجوم محتمل يقوم به بربروسا على المدينة. كما قام شارل الخامس بالعفو عن عبد شيخ مدينة طرابلس السابق سنة 1519 م، وأعاده الى المدينة من منفاه في الجزر الايطالية لاستخدامه في تهدئة السكان وحملهم على العودة الى المدينة بعد أن انضم جزء كبير منهم الى المقاومة العربية ضد الاحتلال والتي اتخذت من مدينة تاجوراء القريبة من طرابلس
مركزا لها.
الله
وأيضا، في إطار تعزيز الوجود الأسباني في طرابلس وعلى السواحل التونسية سيّر شارل الخامس في سنة 1520 م، أسطولا الى جربة التي كانت مركزا للنشاط البحري الاسلامي، وتمكن الأسطول المذكور من احتلال الجزيرة وفرض شروط للصلح يتعهد بموجبها شيخ جربة بدفع جزية سنوية لأسبانيا وبألا يمنح قواعد لرياس البحر المسلمين في الجزيرة، وأخيرا أن يقبل بارسال وفد الى شارل الخامس لتوثيق الاتفاقية. ويذكر شارل فيرو أنه ما أن رحل الأسبان حتى أحرق شيخ جربة وثيقة المعاهدة ولم يلتزم بها (9). ولكن الحسن الوزان المعاصر لتلك الأحداث يذكر في كتابه وصف أفريقيا، الذي نشر سنة 1526، أن الاتفاقية المذكورة التي وقع عليها الامبراطور شارل الخامس لا زالت نافذة المفعول، وان الامبراطور حدد خمسة آلاف روبل تدفعها الجزيرة سنويا لنائب المالك في صقلية (10). وعلى أية حال، فان الاتفاقية فيما يبدو لم تدم طويلا، اذ سرعان ما زاد النشاط البحري العثماني في الحوض الغربي للبحر المتوسط، خاصة بعد اعلان تبعية الجزائر سنة 1518 م للدولة العثمانية، وبدء اتصال العثمانيين بقوات المقاومة الشعبية العربية في تاجوراء، وانضمام درغوث ريس الى خير الدين بربروسا قبيل وفاته، حيث أصبح نائبا له، وقد أخذ درغوث يهاجم
(8)
(6) روسي، ص 149 – 150، شارل فيرو، ص 91 – 92. (7) نفس المصدر، ص 149. أحمد ابن أبي الضياف: أتحف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. الجزء الثاني النشرة الثانية تحقيق لجنة من كتابة الدولة للشئون الثقافية والأخبار تونس والجزائر: الدار التونسية للنشر والشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر (1977)، ص 10 (9) روسي ص 154 شارل فيرو، ص 94 - 95 (10) الحسن بن محمد الوزان الزياني وصف أفريقيا، ترجمة عبد الرحمن حميدة ومراجعة دكتور علي عبد الواحد. السعودية جامعة محمد بن سعود الاسلامية (1979). ص 469 وللمزيد من المعلومات حول هذه الحملة، أنظر أتوري روسي المرجع السابق، ص 154، الذي يذكر أن قائد الحملة كان دون هوجود ري مونكادا وأنه كان تحت امرته مائة شراع وثلاثة عشر ألفا وخمسمائة جندي من المشاة، وألف من الفرسان، وأنه خسر ستمائة رجل من قواته قبل أن يتمكن من احتلال الجزيرة وإجبار شيخها على توقيع اتفاقية تبعية للملك شارل
الخامس.
43
42