محاضرات الأيام الدراسية حول فكر ضياء الدين الشيخ عبد العزيز الثميني مجموعة مؤلفين

محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ ضياء الدين

الجزء ١ · صفحة ١٠

محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ عبد العزيز الثميني.

الأصول والفروع، ومن هذه الخطوط العامة انصرف شيخنا إلى المنطق يحييه، وإلى الفقه ينشره، وإلى الأخلاق يلقنها، وإلى المعارف يغرزها غرزا عله بذلك يوقف السرطان الطاغي المنساب في المجتمع في جو تزامن فيه تعفّن الحكام وجهل العوام وتكالب الأعداء. وما كتاب «النيل وشفاء العليل» و «التكميل فيما أخل به النيل» و «التاج» و «المصباح» سوى عناوين لها دلالتها، وجواهر سنيّة رصعت جبين هذه الأمة وتألّقت على صدرها تزهو بها الأنوار وتلهو.

،

لقد أسهم رحمه الله بما لم يسهم به إلا القليلون في العالم، ويمكن أن يكون اسمه مع أسماء العلماء الأجلاء الذين خدموا الجنس البشري والثقافة البشرية في أسمى معانيها ومظاهرها. ورفع لواء العلم عاليا في هذا البلد الطيب الطاهر. وإذا كان غصنه النضير من شجرة طيبة أنبتتها تربة «ميزاب» الزكية، فإن «ميزاب» فرع من شجرة كريمة أصلها ضارب في أعماق التاريخ، رعاها أبناء بررة وسقتها أجيال متعاقبة همها الوحيد أن تعيش حرّة كريمة، ومن أجل ذلك وضعوها في حديقة غناء من الحضارة والعلم وحسن التدبير والتسيير فأرسوا قواعد نظام يدعو إلى التسامح والوئام. تلك الشجرة الكريمة هي الجزائر التي جمعت هي الأخرى حسن جميع الجزر، فكانت جمعا في مفرد لأنها جمعت الحسن كلّه. ففي الجزائر أرحام تتعاطف مهما اختلفت المذاهب والمناهل والمشارب، ولنا أن نقرّ حقيقة أساسية هي أنّ الأمم تُبنى بالعلم والثقافة والأخلاق الحميدة، وقد اجتمع كل ذلك لهذه الأمة والفضل في ذلك كله إلى المجتمع الذي لم ينغلق على نفسه يرجع رغم القيود التي فرضتها عليه عوادي الزمن ومناورات الأعداء وتخاذل الأصدقاء والأشقاء، فالفضل كل الفضل يرجع إذن للمجتمع وإسهامات أبنائه من كل الفئات والجماعات كل حسب إمكانياته وملكاته الفكرية والعقليّة. وليس من باب المبالغة القول إن الإباضية منذ أن لمع نجمها في هذه الديار لم تتخلّف قطّ عن الركب ولم تبخل قط بالعطاء السخي واليد المبسوطة والصدر الرحب، وليس أدل على ذلك من وقوفنا اليوم لتقيم ذكرى رجل فذ لم يشغله متاع الحياة الدنيا بل تقرّب إلى الله، زلفى وانصرف لما هو خالد باق بقاء الحياة في الدنيا والآخرة لا يفرّق بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح.

وكل ذلك.

تقاليد دين من

إن هذه الوقفة وقفة للمثل العليا التي دفعت أبناء الجزائر إلى خوض عباب بحار هوجاء من

التقلبات الداخلية والخارجيّة لا يقف في وجهها سوى من سبرته المحن وصقلته الأيام، وفتحت عينيه

-9.