محاضرات الأيام الدراسية حول فكر ضياء الدين الشيخ عبد العزيز الثميني مجموعة مؤلفين

محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ ضياء الدين

الجزء ١ · صفحة ٩

محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ عبد العزيز الثميني.

من

حافة

ضياء الدين قد جاء متأخرا وقد عاصر آخر مراحل الانحطاط، فكان المسعى شاقا والوضع متفاقما، فإنّه مع ذلك جاء ليعطي للمرحلة دفعا جديدا ويفتح للأمة الإسلاميّة قاطبة آفاق كانت إلى حينه مسدودة: فقد جاء ليضع اللبنات الأولى لحركة إصلاحية عارمة لن يمر وقت طويل حتى تعم مشارق الأرض ومغاربها، وهذا منحى من مناحي البحث يجب أن يتوجه إليه الدارسون والباحثون لينفضوا الغبار عن مساعي أبناء الجزائر وإسهاماتهم في الفكر الإنساني، تلك المساعي والإسهامات التي ضرب عليها النسيان وأسدل عليها الستار، وكأن هذا البلد الآمن لا تناله الرحمة ولا يوجد فيه إلاّ تعطلت عقولهم، وصمت آذانهم ووقفوا على الطريق لا تهمّهم قوافل التقدّم والرقي بل لا يلتفتون إليها ويعلم الله والعارفون ما قدّم أبناء الجزائر لفائدة الإنسانية. فقد كانت شبكة الاتصال بين علماء المسلمين كثيفة متشابكة يتنادون من كل حدب وصوب، ويتشاورون فيما يعلي من شأن الإسلام والمسلمين، ويكفي منطقة ميزاب فخرا أن كانت منطقة تقاطع كلّ خيوط وط هذه الشبكة علاقات الخلان من والإخوان في الله، الصامدين في وجه المسخ والبدع والخرافات وتشويه الأمة الإسلامية ومسخها وقطعها عن أصولها المتمثلة في الشجرة المحمدية الكريمة والمشتملة على السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين.

لقد أدرك الشيخ ضياء الدين ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق المثقف كما نقول في عصرنا هذا أو العالم كما يقال في العصور الماضية، ووعي تمام الوعي ما كان يحدق بالمجتمع الجزائري من أخطار متعدّدة ومساع هدّامة، فدأب على إعادة تأسيس المنطق الإسلامي، ذاك الذي نجح به به الأوائل في مواجهة أحبار اليهود وقساوسة النصارى في مناظرات شيّقة لسان حالها الآية الكريمة وَجَادِلْهُمْ بالتِي هِيَ أَحْسَنُ، فجمعت تراثا لا ينضب من آداب الحديث والمناقشة، والدفاع عن الموقف بكل صرامة مع اللين والتسامح الذي تفرضه مكانة أهل الكتاب في الإسلام. وقد ساعد شيخنا العظيم ما تراكم وتواتر من أخبار العلم والعلماء في عهد «الرستميين والمجالات الفسيحة التي فتحوها للحرية، وحرية الرأي والتعبير، فنهل منه، وغرف كما استفاد من الوضعية الخاصة للمسلمين في «وادي ميزاب» وطريقة إدارة شؤونهم العامة والخاصة والتي وضع أُسُسَها الشيخ «محمد بن بكر» في أوائل القرن الخامس الهجري، والتي أخذت أساسا لها الكتاب والسنّة ووضعت نظام «الجمهور»، أو من حكم «الجمهور» وهو ما نطلق عليه في مصطلحاتنا السياسية المعاصرة: النظام الجمهوري». من هذه

-8 -