محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ ضياء الدين
الجزء ١ · صفحة ٦٨محاضرات الأيام الدراسية حول فكر الشيخ عبد العزيز الثميني.
ولتوضيح كيفية الاستدلال بها، نبين بأنه لكي نثبت تلازما بين شيئين لابد أن يطرد ترابط بينهما، بحيث إذا تأملت أحدهما تصوّرت الآخر، ولكن بشرط أن يؤكد ذلك الاستقراء التام، بحيث تتبع كل الحالات والظروف المختلفة لوجودهما، فإذا وجدنهما متلازمين أبدا نحكم بوجود علاقة التلازم بينهما، كدلالة المآذن في البلدة على إسلام أهلها، فالدالّ هنا ليس علة للمعلول حتى نقول إنّ دلالته عليه من قبيل دلالة العلة على المعلول، لأنّ المآذن ليست علّة لإسلام أهل البلدة، كما أننا لا نبصر المدلول مع الدال حتى نقول: إنّ الدليل هو الرؤية والمشاهدة، وإنما الدال هنا شيء خفي عن المشاهدة والإحساس، وهنا نتساءل:
كيف دلّت هذه الأشياء على مدلولاتها؟ وكيف نؤمن بها دون أن نراها؟ والحقيقة أن طريقة الدلالة عرفت بملازمتها الدائمة لملزوماتها، وتكرّر ذلك دون تخلّف، وتم على ذلك الاستقراء فتكونت هذه المقارنة الدائمة رابطة دلالة سارية بينهما. من
والاستفادة
هذا البرهان تتم بتأمل ظاهرة ما نشاهدها أمامنا، فإذا وجدناها عن طريق من
الاستقراء تستلزم حقيقة معينة اقتنعنا عقليًّا بوجود تلك الحقيقة وآمنا بها حتى ولو لم نرها. ونستفيد منها كذلك إذا طرح أحد أمامنا دعوى يزعمها فإننا قد نستطيع بواسطة دلالة الالتزام أن نعلم صدق تلك الدعوى أو بطلانها، وذلك بأن نبحث عن مستلزمات تلك الدعوى، فإن رأينا تلك المستلزمات كان هذا دليلا على صدق الدعوى، وإن فقدت أو كان الموجود نقيضها، كان هذا دليلا على كذبها، فمثلا الذي يدعي أن منبع نشأة الفكر والفعل في الإنسان إنّما هو شعوره بالحاجة إلى الغذاء، لا نصدّق دعواه إذا تأملنا في سائر الحيوانات التي تشترك مع الإنسان في الشعور بالحاجة إلى الغذاء، لكن لم يتكوّن لديها شيء من التفكير والعقل، كما أنّ الذي يشرف بنا على قرية مثلا ويقول لنا: إنّ جميع أهلها مسلمون لا يمكن أن نصدق كلامه إذا تأملنا، فلم نجد فوق بيوتها إلاّ صلبان الكنائس، رغم أننا لم نجد أحدا من أهلها، و لم نقف على اعتقاداتهم وما يدينون به عن طريق
التجربة والمشاهدة
(67)
الحجة والبرهان: ما يجب الإشارة إليه هنا أنّ الثميني لم يتكلّم على الحجة والبرهان في كتابه المنطقي تعاظم الموجين بل أدرجهما ضمن كتابه الكلامي كتاب معالم الدين وقد تكلّم عليها وفقل
(67) محمد سعيد رمضان البوطي كبرى اليقينيات الكونيّة، 5، دار الفکر، دمشق 1397 هـ، ص 43 - 45.
- 67 -