أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٠٠14
يلبث أن يمتد إلى بقية الأجزاء ويتهددها (1). وعليه فلم يتردد يوسف بن تاشفين في الانضمام إلى حظيرة الخلافة العباسية في بغداد وأصبحت سياسة المرابطين في غرب العالم الإسلامي توجه من أجل أن تعيد لهذا الجزء وحدته وأن تصد هجمات الأعداء عن أراضيه وأن تحافظ في ظل الخلافة العباسية على مبدأ الوحدة الإسلامية (2) التي أقرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (3).
ومن جهة أخرى فإن الخليفة العباسي قد أمر من جهته يوسف بن تاشفين تقليداً بحكم الدولة المرابطية. كما لا يفوتنا أن هناك بعضاً من المرابطين الملثمين قد رحلوا إلى بغداد بعد الحملة الصليبية الأولى وأخذوا يدعون الناس هناك إلى الجهاد كما دعوا إليه في الغرب. ومجمل القول فإنه على الرغم من البون الشاسع بين العباسيين في المشرق وبين المرابطين في أقصى المغرب فإن هؤلاء المرابطين بإيمانهم العميق لمبدأ الوحدة الإسلامية قد نجحوا في تحقيق وحدة إسلامية - وإن كانت إسمية بالتبعية - بين جناحي العالم الإسلامي مشرقه ومغربه في وقت كان فيه المسلمون متعطشين إلى مثل هذا التوحد والتماسك وذلك من أجل الوقوف صفاً واحداً لمواجهة الحملات الصليبية التي أخذ المسيحيون الغربيون في تنظيمها من أجل النيل منه.
وهذه في رأينا من أهم المبادئ التي ميزت السياسة المرابطية عن سياسة الموحدين الذي جاؤوا من بعدهم والذين لم يولوا اهتماماً للتعاون أو الوحدة مع المشرق الإسلامي، حتى في مواجهة العدو المشترك.
170
الجبهة الإسلامية المتحدة بين المرابطين والأندلسيين في الزلاقة: عاشت بلاد الأندلس بعد انقراض دولة بني أمية وسقوط الخلافة الأموية فيها سنة 422 هـ / 1031 م فترة من الانقسام والتجزؤ فانقسمت إلى عدد من الدويلات أو الممالك الصغيرة أطلق عليها اسم إمارات أو ممالك الطوائف (4) وكان من أهمها: إمارة بني عباد في إشبيلية وبني زيري في غرناطة وبني ذي النون في طليطلة وبني صمادح في المرية وبني الأفطس في بطليوس وبني جهور في قرطبة وبني هود في سرقسطة. ولم تكن هناك أية روابط أو تعاون مشترك بين أمراء هذه الدويلات بل بالعكس من ذلك فكثيراً ما دخلوا في صراعات وحروب مع بعضهم البعض، لا بل قاموا بدفع الأتاوات والضرائب لملوك النصارى في شبه الجزيرة الأيبيرية المصاقبين لهم كل ذلك على حساب رعاياهم بما فرضوه عليهم من المكوس والضرائب الجائرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد وحسب بل إن بعضاً منهم قد استنجد
(1) المرجع نفسه، ص 25.
(2) إبراهيم حركات: النظام السياسي والحزبي في عهد المرابطين، ص 44. (3) سورة آل عمران الآية: 103
(4) وهنا يصف الشاعر أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني حالة الأندلس يومئذ بقوله:
مما يُزهّدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها کـالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد انظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، 1/ 4، ص 134.
((2)
(a)
بالنصارى ضد جيرانه المسلمين وتنازل لهم عن بعض القلاع والحصون المهمة. وكانت معظم علاقات أمراء الطوائف هؤلاء بألفونس السادس ملك قشتالة وليون الذي انتهج سياسة توسعية ضد المسلمين في الأندلس مستغلاً حالة التفكك والتطاحن التي عاشوها آنذاك فاستولى على مدينة طليطلة كبرى المدن الأندلسية وأحصنها فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المهم في وسط شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك سنة 478 هـ / 1085 م. وهي المرة الأولى التي يتخطى فيها النصارى نهر التاجه جنوباً. وكان لسقوط هذه القلعة الشامخة عواقبه الوخيمة ونتائجه الوبيلة على مصير المسلمين في شبه الجزيرة بعد ذلك كما كان لاحتلالها أيضاً أصداء بعيدة المدى فكأن صفارات الإنذار قد أُطلقت في أرجاء الأندلس إيذاناً بوقوع الكارثة الأمر الذي أحدث لدى أمراء الطوائف تمللاً وخوفاً فأجمعوا لأول مرة على الاستصراخ بإخوانهم المرابطين في برّ العدوة لإنقاذهم مما حَلّ بساحتهم من عدوان النصارى، وقد سبق هذا أيضاً استنجاد على المستوى الشعبي إذ كاتب عدد من أهالي الأندلس يوسف بن تاشفين مناشدين إياه الغوث والنصرة. لعب المعتمد بن عباد أمير إشبيلية - وكانت أقوى إمارات الطوائف - دوراً مبرزاً في عملية الاستنجاد بالمرابطين وربما أراد من ذلك أن يكون هؤلاء حُؤُولاً بينه وبين خطر ألفونس السادس ملك قشتالة وليون الذي غدا يهدد إمارته أشبيلية تهديداً مباشراً بعيد استيلائه على مدينة طليطلة. ولعل مما قرّب من تدخل المرابطين لنجدة أهالي الأندلس هو استيلاؤهم على مدينة سبتة فرضة المجاز بمعاونة أساطيل المعتمد بن عباد سنة 476 هـ / 1083 م فضلاً عن استيلائهم على مدينة طنجة قبلها بخمس سنوات.
أما بالنسبة للمرابطين فقد كانوا هم الآخرون على مسمع مما يعانيه أهل الأندلس من تحرشات ملوك النصارى الذين اشتد ساعدهم منذ بداية النصف الثاني للقرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، لذا فقد تطلّع يوسف بن تاشفين لنصرة إخوانه الأندلسيين حتى قبل استصراخهم له، يقول ابن الآبار: وازدلف خلال ذلك إلى سبتة أمير المغرب حينئذ - أبو يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني - حسبة ورغبة في الجهاد … وفتح الله على ابن تاشفين سبتة وأمكنه الحصول على مراده بذلك» (1). ولما كانت الدولة المرابطية قد جعلت من الوحدة والجهاد أهم مبدأين لسياستها فإن يوسف بن قد سار على نفس النهج الذي سلكه من قبله سلفاه عبد الله بن ياسين وأبو بكر بن عمر، فعول على عبور المضيق والتصدّي لعدوان النصارى المتزايد ضد إخوانه الأندلسيين، وألا يتركها تحت رحمة الحركة الصليبية المسيحية.
تاشفين
ومهما يَكُنْ من أمر فإن يوسف بن تاشفين قد لبى صريخ إخوانه فيما وراء البحر وعبر بجيوشه الزقاق مجاهداً وصَلَّى بمدينة الجزيرة الخضراء التي اتخذها قاعدة لقواته في الأندلس ثم التحمت
(2)
(1) الحلة السيراء، 98/ 2. (2) يروي صاحب كتاب المعجب عن يوسف بن تاشفين قوله: أنا أوّل منتدب لنصرة هذا الدين ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي … انظر عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص
193
199
198