أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٩٩وآخرين من بلاد السودان (1) سنة 464 هـ / 1072 م، وشكل منهم فرقة من الفرسان لحراسته. وقد لعبت هذه الفرقة دوراً بارزاً في كثير من المعارك الحربية التي خاض المرابطون غمارها في بلاد الأندلس. في سنة 465 هـ / 1073 م رجع الأمير أبو بكر بن عمر من الصحراء إلى مدينة أغمات للمرة الثانية، فالتقى بيوسف بن تاشفين قائد جيوشه ببلاد المغرب حيث تنازل له عن قيادة المرابطين من تلقاء نفسه (2)، ثم قفل عائداً إلى الصحراء وتفرّغ كلياً لنشر الإسلام في ربوع بلاد السودان، إلى أن استشهد هناك في إحدى المعارك سنة 480 هـ (3).
ية ل أن المؤرخين (4) المحدثين إن الأمير أبا بكر بن عمر قد أحسن صنعاً بذلك، فقد مضى إلى الجنوب ليجاهد في بلاد السودان، إذ أنشأ لنفسه ملكاً واسعاً في حوض السنغال، وفتح بلاداً واسعة جنوبية حتى وصلت جيوشه حوض نهر النيجر الأعلى وقد أصبحت هذه البلاد الإسلامية المرابطية الجنوبية عاملاً هاماً في نشر الإسلام في أفريقيا المدارية ثم الاستوائية، وعلى أيدي رجال مثل أبي بكر بن عمر وخلفائه تفتحت الأبواب للإسلام في هذه النواحي الأفريقية.
ومن خلال هذه الجهود التي بذلها المرابطون انتشرت الدعوة الإسلامية على شكل واسع، وتم اعتناق أمراء الأقطار التي كانت خاضعة لسيطرة ملك غانة للإسلام، الأمر الذي زاد من أنصاره بين مختلف القبائل فاكتسح بذلك رقعة ممتدة الأطراف وقضى بفضل المنافذ الثلاثة أو داغشت وغانا وكاو على نفوذ الوثنيين في جميع الجهات المتبقية (5).
بذلك يكون الجناح الجنوبي لدولة المرابطين الذي قاده الأمير أبو بكر بن عمر قد أذى خدمة جليلة للإسلام والمسلمين تعدل ما أداه فرعها الشمالي الذي قاده يوسف بن تاشفين الذي قام بتوحيد المغرب والأندلس وقاد حركة الجهاد الإسلامي ضد النصارى الأسبان في شبه الجزيرة الأيبيرية. وعلى أثر تحول بلاد غانا وأهلها للإسلام بأفريقيا المدارية أتيح لهؤلاء السودانيين الدخول في ميدان الحضارة الإسلامية. كما استطاع رجال قبائل الماندنجي بعد ذلك - وكانوا من أقوى قبائل مالي وأكثرهم حماساً للإسلام وسعياً في نشره - التغلب على قبائل الصوصو الوثنيين وأن ينشروا الإسلام بين قبائل الحوسى أو الهاوزا كما أنهم هم الذين أنشأوا مملكة مالي الإسلامية التي كانت أكبر وأطول عمراً من مملكة غانا، ثم أعقبتها دولة صنغي وعلى أيدي رجالها أصبحت بلاد أفريقيا المدارية
(1) الحلل الموشية، ص.25. وفي معركة الزلاقة الشهيرة سنة 479 هـ / 1086 م التي انتصر فيها المرابطون والأندلسيون انتصاراً ساحقاً على قوات النصارى بقيادة ألفونس السادس ملك قشتالة وليون تمكن أحد هؤلاء الجنود السودانيين من طعن ألفونس السادس وجرحه فكانت سبباً في هزيمة النصارى وفرار ملكهم مهزوماً من المعركة أنظر وفيات الأعيان، 118/ 7. قيام
278
و 279 دول الطوائف، ص 325
27 - 25
دولة المرابطين ص (2) إذ قال لابن عمه يوسف: «وأنا لا غناء لي عن الصحراء وما جئت إلا لأسلّم الأمر إليك وأهنئك في بلادك وأعود إلى الصحراء مقر إخواننا ومحل استيطاننا انظر الحلل الموشية، ص (3) روض القرطاس، ص 135 ابن خلدون، 184/ 6. الإعلام، 204/ 1. (4) حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته، ص. (5) عبد الهادي التازي: التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد الخامس ص 36.
22
هيکلا
(E)
والعلماء.
الغربية كلها بلاداً إسلامية (1). وانتشرت بينها الثقافة الإسلامية فظهر منهم عدد كبير من الفقهاء وهكذا ومنذ منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بدأ تاريخ الإسلام المجيد في هذه البلاد، فانتشر في غرب أفريقيا كله حتى حوض النيجر، وهناك التقى بتيار الدعوة الإسلامية المقبل إلى ما يعرف الآن بجمهورية تشاد من وادي النيل بواسطة الطريق التجاري القديم الذي يشرع من مدينة أسنا في مصر ويسير في نواحي دارفور ثم في بلاد واداي حتى يصل إلى بحيرة تشاد وهي باب أفريقيا المدارية وكذلك عن طريق ممر فزان وكوار عبر الصحراء الكبرى إلى تشاد (2). إتمام توحيد المرابطين لبلاد المغرب: لقد تمَّ للمرابطين فتح الكثير من المدن والأراضي المغربية بقيادة كل من عبد الله بن ياسين والأمير أبي بكر بن عمر، ثم استكمل يوسف بن تاشفين من بعدهما مهمة توحيد الأراضي المغربية حتى وصل إلى بحر الزقاق شمالاً الذي يفصل بين العدوتين المغربية والأندلسية فنازل مدينة فاس عاصمة المغرب منذ عهد الأدارسة واستولى عليها سنة 462 هـ / 1069 م (3)، كما قام أيضاً بتوحيد المدينة وهدم الأسوار الفاصلة بين عدوتيها (4). توجه يوسف بعد ذلك شمالاً صوب مدينتي طنجة وسبتة اللتين تمثلان همزة الوصل بين العدوتين، فبدأ بضم مدينة طنجة من صاحبها سكوت البرغواطي سنة 470 هـ. كما تم للمرابطين الاستيلاء على مدينة سبتة بعد ذلك سنة 476 هـ. ثم توغل يوسف في أراضي المغرب الأوسط فاستولى على مدن تنس ووهران وجبال ونشريس حتى وصل إلى مدينة الجزائر). وبذلك يعود الفضل إلى يوسف بن تاشفين في إتمام فتح بلاد المغرب الأقصى وضم النصف الغربي من المغرب الأوسط وتوحيده معه بعد أن استغرق في ذلك مدة عقدين من الزمن، وهذه هي المرة الأولى التي يتوحد فيها المغرب الأقصى وجزء كبير من المغرب الأوسط، ولهذا يعتبر يوسف بن تاشفين منشئ المغرب الأقصى الموحد وواضع أساس وحدة بلاد المغرب (6). ومن هنا يمكننا القول أن دولة المرابطين هي أول دولة استطاعت أن توحد بين مناطق الجناح الغربي من العالم الإسلامي، ابتداءً من ضفاف نهر الإيبرو والتاجه في بلاد الأندلس شمالاً إلى نهر النيجر جنوباً ومن الجزائر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.
(5)
- العلاقة الوحدوية بين المرابطين والعباسيين في المشرق كانت نظرة المرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين إلى العالم الإسلامي على أنه عالم واحد متماسك إذا تهدّد الخطر جانباً منه لم
(1) حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته، ص 24. (2) المرجع نفسه، ص 25. (3) انظر روض القرطاس، ص 141، ابن خلدون، 185/ 6.
(4) جذوة الاقتباس، 546/ 2. (5) روض القرطاس، (6) حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته،
ص
ص
143
27
ورية فيلا لخت
197
196