أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

العلاقات الليبية مع أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر كما يجسدها دور داعية مسلم

الدكتور محمد مسعود جبران

ال كلية اللغات - جامعة الفاتح

ل على

حضرة رئيس الجلسة أستاذي الجليل الدكتور أمين توفيق الطيبي حضرات السادة العلماء والباحثين الفضلاء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد. فإنني أحاول في هذا البحث المعنون بـ العلاقات الليبية مع أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر كما يجسدها دور داعية مسلم أن أظهر - من خلال ما توفّر لي من المظان المخطوطة والمطبوعة، وأيضاً من خلال الوثائق الخاصة بهذا الداعية الشيخ محمد بن عبد الله السني ورسائله التي كانت قبل اليوم غميسة وغائبة - عمله الإيجابي المؤثر، باعتباره عالماً ليبياً عاملاً، ومعدوداً من أعلام الإصلاح والدعوة إلى الإسلام الذين نهضوا - في غرب أفريقيا ووسطها في غضون النصف الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين - بدور عملي فعّال ومتنوع في سياق ما اصطلحنا على تسميته اليوم التواصل بين الساحل والصحراء.

فقد أسهم هذا الداعية المجاهد الذي امتدت حياته من سنة (1268/ 1851) إلى سنة (1296/ (1932) (1) ـ كما تؤكد المراجع العربية والأجنبية (2) - في الدعوة الجادة والدؤوبة إلى الإسلام، ونشر تعاليمه وأحكامه بين الأفارقة في العديد من أقطارهم مثل تشاد والنيجر ومالي والكنغو ونيجيريا، وبث في ربوعها الأمن والاستقرار والإصلاح مع المرابطة الصامدة في مجابهة جحافل المستعمرين

14 يناير 1984.

(1) أشرت قبل قليل إلى بحثي محمد عبد الله السني مجاهداً بالسيف والحرف والذي نشر في مجلة البحوث التاريخية بليبيا (2) راجع الطيب الأشهب برقة العربية طه الحاجري الحياة الأدبية في ليبيا، محمد الصادق عفيفي «الشعر والشعراء في ليبيا» والاتجاهات الوطنية في الشعر الليبي الحديث محمد فؤاد شكري دين ودولة أبيلاردنيلي القبلة» محمد سعيد القشاط جهاد الليبيين».

الأوروبيين طوال أربع وثلاثين سنة أو أكثر.

وأراني لست في حاجة هنا إلى تفصيل القول في بيان أشكال الحياة العامة وسوئها في المرحلة التي ظهرت فيها حركة الشيخ محمد عبد الله السني في أفريقيا التي كانت في ذلك الظرف التاريخي تئن من ويلات التخلف وفضاعة المعاناة من الفقر والجهل، كما أني لست في حاجة أيضاً إلى الحديث المفصل عن تلك الظروف الزمانية والمكانية القاسية التي وظف خلالها جهوده ونشاطه في واقع كان يعاني فيه العالم الإسلامي من الإنهيار والذي بدت فيه بأسباب تقهقره وضعفه عهدئذ «القابلية للاستعمار» (1) في مواجهة واقع أوروبي وغربي استعماري، متوثب كان لا يلوي على شيء إلا على قهر ذلك العالم الإسلامي وغزوه واحتوائه بروح صليبية موتورة (2).

،

والحقيقة التي ينبغي أن تقرر في هذا المقام أن دور هذا المجاهد الليبي الشيخ محمد عبد الله السني كان دوراً مؤثراً في ذلك الإطار الزماني والمكاني يعكس مظاهر اليقظة في العالم الإسلامي، ويتواشج مع أدوار عملية للعلماء والمصلحين في الساحل والصحراء الذين أحسوا بواجب الدعوة إلى الإسلام ومقاومة أعدائه، واتخاذ التدابير للخروج من ذلك الواقع المأزوم. فقد ظهرت في ليبيا (طرابلس وبرقة حركة إسلامية إصلاحية منذ النصف الأخير من القرن (3) كما ظهرت في دول الشمال الأفريقي حركات نهضوية مماثلة وقد تزامنت هذه الحركات الحركة الجهادية والفكرية النشيطة التي كان يمثلها من أعلام أفريقيا أو الصحراء أمثال مع القادة رابح فضل الله (4) ومحمد المهدي (5) و «كاوسن» (6) و «أمود» (7) وغيرهم وسنركز هذه

الماضي مجتمعة

الحالة

(1) مصطلح «القابلية للاستعمار» مصطلح أجاله الفيلسوف الجزائري الأستاذ مالك بن بني في مؤلفاته تحت سلسلة «مشكلات الحضارة ويعني به حالة الوهن الفضيعة التي مرّ بها العالم الإسلامي بعد عصر التي هيأته لقبول الموحدين وهي هجمة الاستعمار.

(2) راجع د. نقولا زيارة «أفريقيات» محمد سعيد القشاط «جهاد الليبيين ضد فرنسا». (3) راجع أحمد صدقي الدجاني السا في العهد العثماني، محمد شكري دين ودولة». (4) ولد رابح فضل الله، ويطلق عليه أيضاً رابح الزبير والتسمية الأولى أصوب في سنة (1263/ 1846) في إحدى القرى في بحر الغزال، وكان ابناً لأحد رؤساء القبائل الذي خاض هو الآخر حروباً شارك فيها ابنه رابح، وبعد وفاة أبيه شارك مع سليمان الزبير الذي نسب إليه فاكتسب خبرات حربية ساعدته على مقاومة الفرنسيين وحربهم والفتك بهم في العديد من المعارك إلى أن توفي في عام (1317 (1899) راجع أخباره في المسلمون والاستعمار الأوروبي لأفريقيا للدكتور عبد الله عبد الرزاق إبراهيم، والصراع التركي الفرنسي لعبد الرحمن نشايجي: 159.

(5) محمد أحمد بن عبد الله المهدي (1843 1885 من زعماء السودان في القرن التاسع عشر، حفظ القرآن في الثانية عشرة من عمره، ثم قرأ الفقه واللغة والتفسير والتصوف، وتلقب بالمهدي، ودعا إلى الجهاد وأرسل رسائله إلى الخديوي في مصر والسلطان عبد الحميد في تركيا وإلى ملكة إنكلترا في لندن وضرب النقود، وأسس دعائم دولة، وكانت وفاته عام

(1885/ 1302)

(6) هو الزعيم كاوسن أو كاوسا بن عذا الاكزكزي ولد في النصف الأخير من القرن التاسع عشر في أسر في بلد أصولم، قام بدور جهادي بارز في النيجر بمقاومة الاستعمار الفرنسي، وتعاون تعاوناً واضحاً مع الليبيين في جهاده ودحر أقاليم أفريقيا.

(7) أمود هو سلطان الطوارق، وكانت له في حركة جهاد الليبيين ضد الاستعمار الإيطالي أدوار مهمة.

الأعداء في

ربيا

211

210