أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

ويحليه بـ «الأستاذ» ويخصه في رسائله المحليّة، ورسائله الأفريقية بتحليات تقدير كثيرة تنم عن توقيره له، بل نظم فيه العديد من الأمداح والمنظومات التي تشيد بمقامه عنده، ومعتقده فيه. وقد أخطأ الدكتور محمد فؤاد شكري حينما ذهب إلى أن مترجمنا أخذ عن والد شيخه المذكور أي على الشيخ محمد بن علي الخطابي، وتلقى علومه عنه، وذلك لما هو معلوم تاريخياً من أن وفاة الشيخ محمد بن علي الخطابي كانت في عام 1276/ 1859) (1).

ومن ذلك يتضح أن الذي ذهب إليه الدكتور محمد فؤاد شكري قول أو حكم غير دقيق؛ لإنه لا يمكن أن يتسق ويستقيم مع تاريخ ولادة مترجمنا محمد السني الذي ذكره الفريق الأول؛ لإنه لم يتجاوز عند وفاة الشيخ محمد الخطابي السنة الأولى من عمره، كما لا يمكن أن يستقيم مع تاريخ الولادة الصحيح الذي ذكره صاحب كتاب «القبلة باعتباره لا يزال عند وفاة ذلك الشيخ - طفلاً صغيراً لم يتخط الثامنة من سني عمره، وهي سن لا تسمح بالسفر من منطقة القبلة إلى مدينة الجغبوب لأخذ العلم من عالم عرف بتدريس الكتب والمعارف العالية، زيادة عن أنه كان مؤسس الطريقة. وقد كان من أبرز أقرانه الذين انتظموا معه في سلك الدراسة في واحة الجغبوب وفي معهدها العلمي خلال الفترة التي كان يحصل فيها العلم - فيما نرجح - الأشياخ محمد أحمد التواتي وأحمد الشنقيطي وأحمد العيساوي، وأحمد بن إدريس الأشهب، وعلى المحجوب وغيرهم وقد أشاد المترجم بمواطن ذكرياته في الجغبوب»، وبما استفاده من الحياة العلمية والصوفية فيها، وبدور أعلامها في تكوينه حيث قال (3):

من

حقب

(2)

(4)

مالي

سل وادي جغبوب عما كان علمه ينبيك والأنباء تعتبر واليوم أصبح مأنوساً بمنزلة فيه فكم جد في أعماره حضر مأوى العلوم ومأوى الطالبين لها روض الفضائل فهو الأزهر النضر وواضح أنه جعل المعهد الجغبوبي مأوى العلوم ومأوى الطالبين لها» في أبياته السابقات في مكانة توازي وتضارع الأزهر المعمور بمصر، وهذا يدلنا على ما كان لهذه الزاوية من علم وأعلام. ولم يكتف الشيخ محمد السني من هذا المعهد بما اغترفه فيه ونهله، وإنما كان يُلم به ـ بعد تخرجه - الفينة بعد الفينة مستفيداً ومجدداً العهد والولاء لأشياخه وقد أشار صاحب كتاب «القبلة» إلى تلك الرحلة التي قام بها في مستهل شبابه بعد زواجه الأول، فذكر أنه رحل إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج، ومكث في ربوعها مدّة ثلاثة أشهر أمضاها في مكة» و «المدينة» ثم عرج في طريق عودته على الجغبوب؛ ليستكمل تحصيله ودراسته على شيخه الخطابي (5) ولكنه لم يشر إلى تفاصيل

(1) راجع أحمد النائب الأنصاري المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب خير الدين الزركلي «الأعلام» 6: 299. (2) الطيب الأشهب برقة العربية» ص 193.

(3) الطيب الأشهب «برقة العربية» ص 584.

(4) في عجز البيت زحاف ظاهر ربما طرأ من تحريف النساخ. (5) راجع أ. بيلاردنيلي «القبلة» ص 45.

تقيم

(1

الغربي

هذه الرحلة، وإلى ما وقف عليه المترجم في أرض الحجاز) و (مصر) وغيرهما من آثار علمية، وما التقى به فيها من علماء ومصلحين، وما أذاه قبل عودته إلى أرض الوطن من نشاطات واتصالات. وقد تولى الشيخ محمد السنّي بعد وفاة والده - الأعمال التي كان ينهض بها في القبلة والجبل فخلفه في رئاسة زاوية مزده) التي أقره عليها شيخه وأستاذه محمد المهدي، وأبدى إبان هذه المشيخة والرئاسة «كفاءة وجدارة إذ ارتقى بها مادياً وأدبياً ارتقاء ملموساً في كافة النواحي تضاعفت جهوده و ترسخت اهتماماته باتساع، خبرته وازدياد حماسته وإخلاصه وتجربته؛ فبذل الوسع في النطاق المحلي لنشر التعليم وتوعية الناس وهدايتهم وأسس للقيام بمهامه الدينية والتعليمية اقتداء بوالده - زوايا أخرى في مناطق القصبات والجعلة والحرابة ويفرن ومزده والزنتان

والرجبان وسيناون وغريان والرحيبات وبرقن

2 - جهوده العملية في أفريقيا

(2).

ثم

لم يقتصر جهد الشيخ محمد عبد الله السنّي في خدمة الإسلام والعربية على ما أذاه في وطنه ليبيا فحسب، بل رشحته الأقدار لينهض بدور أكثر خطورة، وأوسع منهاجاً في البلدان الأفريقية، تحقيقاً للغايات التي كانت تتوخاها الدعوة الإسلامية في ذلك الظرف على المستويين الديني والسياسي.

لقد رحل مترجمنا إلى أفريقيا وتخلّى عن مشيخة زاوية مزده» لأخيه عبد السلام السنّي؛ ليرابط في بلدان أفريقيا مثل «تشاد» و «مالي» و «النيجر» و «نيجيريا» و «الكونغو» مدة ثلاث عقود

ونصف.

ل إن الناظر في الجهود العلمية والدينية والإصلاحية التي أنفقها هذا الداعية من سنة (1313/ (1895) إلى سنة (1348 (1929) يتبين بجلاء أنها كانت جهوداً مضنية أثمرت بلا ريب ثماراً طيبة ربما امتدت آثارها إلى اليوم، وقد تمظهرت هذه الجهود في طرائق الإصلاح الآتية:

1 - دعوة الأفارقة إلى الإسلام الحنيف، ونشر الطريقة الصوفية العملية بينهم. تأسيس الزوايا والمساجد المعينة على الدعوة.

2

3 - نشر التعليم بين طوائف المسلمين والوثنيين. 4 - الجهاد الإسلامي ومقاومة حركة الاستعمار الأوروبي الفرنسي والإنكليزي) والتصدي لزحفه.

5 - العمل على المصالحة والتوفيق بين القبائل وإيقاف الفتن والحروب بين الفرقاء الأفارقة فقد

،

(2)

(1) محمد الصادق عفيفي الاتجاهات الوطنية في الشعر الليبي: 173 174 (2) ما محمد فؤاد شكري المرجع السابق: 91 محمد سعيد القشاط معارك الدفاع عن الجبل الغربي»، الجماهيرية المنشأة

(6)

العامة للنشر، 1983

215

214