أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١١٤الأندلسيون وقد استوطنوا سجلماسة منذ نشأتها بل هناك من المصادر التاريخية ما يؤكد أنهم ساهموا في تشييد هذه المدينة. إلا أن عددهم لم يكن مهماً سوى عقب فشل ثورة الربض بقرطبة سنة 818 م، حيث استقبلت سجلماسة أفواجاً من الفارين وكان من بينهم الحرفيون، التجار والعلماء والذين ولا شك قد لعبوا دوراً هاماً في الأحداث التي عرفتها المدينة خلال فتراتها المتقلبة بين
الازدهار والتدهور.
:
الأفارقة يرجع أصلهم بدون شك إلى أفريقيا جنوب الصحراء وقد جلبوا إلى المنطقة بواسطة تجارة القوافل وربما لعبت كثافة هذا العنصر عند بداية بناء سجلماسة الدور الحاسم في تعيين أحد أفرادها وهو عيسى بن يزيد الأسود كأول حاكم للمدينة ما بين 757 و 772 م.
أهل الذمة وقد ساهم هذا العنصر بشكل جلي في التطور الاقتصادي للمنطقة وخاصة في التجارة وسك العملة والنسيج والصناعة الجلدية، ولكن يبقى تاريخ استقراره مجهولاً. فبعض الروايات التاريخية تقول إنهم أتوا من المشرق خلال عهود قديمة قبل الإسلام وبعضها الأخر لا يستبعد أن يكون مجيئهم من شبه الجزيرة الأبيرية خلال القرنين 14 م و 15 م.
الحراثون وهم فئة ملونة تميل بشرتها إلى السواد، أصلها غير معروف بدقة وربما تكون بقايا الأجناس البشرية الأفريقية القديمة من الجيتول أو النوميديين أو الأثيوبيين. وعلى كل حال فهذا العنصر شكل عصب الحياة الاقتصادية السجلماسية وتعاطى خاصة للفلاحة الخماسة» ومن هنا ربما اشتق اسمه
خلاصة القول أن ساكنة سجلماسة بالرغم من تشكلها الفسيفسائي استطاعت التأقلم والتواصل فيما بينها وداخل محيطها الجغرافي وذلك من خلال تنظيم محكم يراعي التوازن الطبيعي والاجتماعي ويوفر الاستقرار السياسي والاقتصادي. يتضح هذا التنظيم من خلال ثلاث مستويات أساسية:. الاستغلال المكثف للأراضي الفلاحية واعتماد سقي محكم. . تنشيط الحرف والصنائع المختلفة.
• تفعيل تجارة القوافل بتحويل سجلماسة إلى محور للتواصل بين مدن العالم المتوسطي
وممالك جنوب الصحراء.
ب ــ الحكم الأفريقي لسجلماسة:
لما استطاع أبو القاسم سمكو بن واسول المدراري الصفري خلق نواة الدويلة الخارجية بسجلماسة سنة 140 هـ / 757 م، عين عيسى بن يزيد الأسود كأول حاكم للمدينة. وهنا يطرح السؤال بحدة عن دوافع هذا الاختيار من طرف أبي القاسم بينما كان هو المؤهل لهذا المنصب بفعل كونه الزعيم الروحي بل والقائد السياسي والعسكري لخوارج مكناسة الصفرية ببلاد المغرب فالدوافع تبقى غامضة ويمكن مناقشة بعضها كما يلي: نقصان تا البتول شاب عمال
ربما حاول أبو القاسم تَجَنُّبَ الصراع بين مختلف الفصائل المكناسية والتي أبان كل واحد منها عن طموحه بالانفراد بالسلطة.
ربما أراد أبو القاسم من هذا التعيين تحقيق مبدأ أساسي من مبادئ الخوارج والمتمثل في المساواة بين كل المسلمين وأحقية كل واحد منهم ليكون أميراً وحاكماً مهما كان جنسه أو لونه. - ربما يعود الأمر إلى الكثافة السكانية للعنصر الأفريقي بسجلماسة في ترجيح تعيين زعيمهم عيسى، خاصة إذا علمنا أن معظم قبائل مكناسة لم تستقر بعد بالمنطقة خلال هذه الفترة التأسيسية. والدافع الأساسي ربما يكون اقتصادياً أو تجارياً محضاً، حيث أراد أبو القاسم من هذا العمل
والتاب
أن يدشن أو يشجع تجارة القوافل مع أفريقيا جنوب الصحراء وبالتالي تسهيل نشر الإسلام فيها. ومهما يكن الأمر فإن عيسى بن يزيد الأسود بويع من طرف كل سكان سجلماسة وحكم عليها مدة 15 سنة من 757 إلى 772 م، فقام بعدة منجزات تهدف إعطاء سجلماسة المكانة اللائقة بها كعاصمة إمارة ناشئة ومن ذلك تنظيمه لقنوات الري تشييده للحدائق والبساتين، توطينه لقبائل الرحل … إلا أن هذه الأعمال ستذهب سُدّى مع وصول القبائل المكناسية التي لم تستسغ أن يحكمها زنجي فثارت ضده فقتلته سنة 772 م وبايعت زعيمها أبا القاسم سمكو.
2 - سجلماسة كمحطة للتواصل التجاري مع بلاد السودان
مع تشييد سجلماسة في موقع محوري يربط بين مختلف أجزاء شمال أفريقيا وبين هذه ومناطق جنوب الصحراء فضلاً عن المشرق الإسلامي، كان لهذا الموقع وتنوع البضائع المتبادلة وتركز عدة صنائع واستقرار التجار الوافدين عليها من كل الجهات كلها حوافز خلقت من سجلماسة بحق عاصمة الذهب والقوافل التجارية. ومعظم المصادر التاريخية تعبر عن هذا الدور الاستراتيجي الذي لعبته سجلماسة في عهودها الزاهرة يقول ابن حوقل (1) في هذا الصدد: «كانت القوافل تجتاز المغرب إلى سجلماسة وسكنها أهل العراق وتجار البصرة والكوفة والبغداديون. . . فهم وأولادهم وتجارهم دائرة ومفردتهم دائمة وقوافلهم غير منقطعة إلى أرباح عظيمة وفوائد جسيمة ونعم سابغة قلما يدانيها التجار في بلاد الإسلام سعة حال. وكان تجارها على اتصال كبير مع تجار أوروبا وآسيا، بل وسافروا بأنفسهم إلى بلاد السودان وإلى بلاد الكنانة عن طريق الصحراء. وقد استفاد السجلماسيون من ذلك فأصبحوا من كبار التجار وجمعوا ثروة هائلة وفي هذا يؤكد ابن فضل الله العمري: إن السجلماسيين كانوا أغنياء ويتاجرون مع بلاد السودان، فهم يصدرون إلى هاته البلاد الملح والنحاس ويستوردون منها بالمقابل الذهب» (2). فكيف كانت وسائل التواصل المعتمدة وما هي الطرق المستعملة؟ (1) ابن حوقل: صورة الأرض، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة 1979، ص: (2) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، باريس، المطبعة الشرقية، 1927،
65
ص
202 - 201
227
226