أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١١٦

التوازن التجاري المحقق بالغرب الإسلامي يعرف ظروفاً غير مساعدة لوضعية سجلماسة (1) ذلك أن هذه الأخيرة فقدت ثقلها التجاري لفائدة مدن المغرب الأوسط وخاصة تلمسان وبجاية والتي حظيت بالأولوية من طرف عبد المؤمن بن علي وخلفائه من بعده فضلاً عن انشغالهم في إخماد الثورات وخاصة بالأندلس، مما جعل سجلماسة تقع فريسة أطماع حكامها أو بعض الثوار الذين يريدون

الانفراد بمواردها.

في عهد المرينيين [1255 - 1393 م] ظلت سجلماسة من كبريات مدن المغرب ولكنها لم تعد تلعب ذلك الدور التجاري الهام، بل إن هذا الدور تقلص بشكل كبير نتيجة عدة عوامل من أهمها بداية تحول الطرق التجارية نحو المحيط الأطلسي، سيطرة قبائل بني معقل على أهم المحاور والمراكز القوافلية وأيضاً إعطاء الأسبقية من طرف الدولة المرينية للطريق الغربي درعة - نول لمطة، فضلاً عن انشغال حكام بني مرين في مواجهة المشاكل السياسية والعسكرية الناتجة عن الزحف المسيحي نحو الأندلس وعن الصراعات الداخلية المختلفة. والكثيرة. وكان لهذه العوامل وغيرها مثل الضرائب الثقيلة المتنوعة والصراعات القبلية أن تعرضت مدينة سجلماسة للتدهور والاندثار مع نهاية الدولة المرينية وبالضبط حوالي 1393 م. بانوان قلب

جملة القول أن مدينة سجلماسة والتي ارتبط إشعاعها وكذا أهميتها بتجارة القوافل كانت نتيجتها المأساوية مع فقدان تحكمها في هذه التجارة. وهكذا كما بدأت إشراقة أنوارها التاريخية ومكانتها السياسية والاقتصادية مع طرق القوافل حوالي سنة 757 م، انطفأت مصابيحها ودورها الريادي مع ظهور أهمية الملاحة البحرية في أواخر القرن.14 م فكانت خاتمتها المؤلمة أن غابت نهائياً ليس فقط من مسرح الحياة بل وأيضاً في الكتابات التاريخية.

3 - سجلماسة كمركز تواصل ثقافي

المعتقدات

لقد اعتبرت سجلماسة عبر تاريخها الطويل مركز استقطاب للعلماء ورجال العلم والأدب فضلاً عن التجار وأصحاب الأموال، فساهمت بشكل فعال في النهضة المغربية الدينية والعلمية، بل وكانت إحدى الركائز الأساسية في بناء الحضارة المغربية. لذلك كانت بفعل عمقها التاريخي وثقلها الحضاري وبفعل ساكنتها المختلطة النشيطة وبفضل تفتحها على جميع التيارات الفكرية والمذهبية، كانت كعبة لتبادل الرأي والحرية الاعتقاد وللتسامح الديني، حيث تمازجت بالمنطقة الخارجية منها أو السنية أو الشيعية أو الصوفية كما شارك أهل الذمة بدورهم في هذه النهضة. وإذا كانت سجلماسة قد حاولت أن تنوع من علاقاتها الثقافية سواء مع المشرق العربي أو مع المراكز الحضرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، فإن ذلك لم يكن بالدرجة التي كانت لصلاتها المتميزة بالممالك الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء، إذ رغم صعوبة مسالك الصحراء الكبرى فإنها

(1) نفس المرجع، ص 294.

جميع

لم تكن أبداً حاجزاً كما يتصور البعض (1). فمن المؤكد أن الحركة المرابطية التي قادها عبد الله بن ياسين منذ 439 هـ / 1048 م من رباطه بجزيرة عند مصب نهر السنيغال استطاعت أن تنشر الإسلام في أرجاء واسعة من السودان الغربي خصوصاً بعد فتحها لإمبراطورية غانة القديمة وسيطرتها على عاصمتها أو دغشت (2) ثم على سجلماسة. وفي هذا العهد أيضاً أنشئت مدينة تومبوكتو التي فيما بعد مركزاً للإشعاع الحضاري بالمنطقة، حيث أمها التجار وتدفق عليها العلماء من سائر أطراف

ف اقبال ولد

أصبحت

العالم الإسلامي. منذ هذه القرون الإسلامية الأولى إذن وضعت اللبنات الأساسية للتقارب بين سجلماسة وبين الضفة الجنوبية للصحراء الكبرى من خلال تنشيط حركة القوافل التجارية من جهة وتسيير رحلات العلماء والفقهاء قصد نشر الإسلام بين الشعوب الأفريقية وتفقيهها بتعاليمه السمحة. إن غنى هذا التواصل واستمراريته على مدى قرون عديدة يجعل من الصعب الإحاطة بمجموع الجوانب المشكلة له واستيعاب جل بواطنه وخفاياه، الشيء الذي يفرض علينا الاقتصار على استعراض بعض مظاهر التقارب الثقافي أو بمعنى أصح ملامسة بعض محددات تأثير سجلماسة على التشكيلة الثقافية للشعوب السودانية. لقد كشفت الكتابات التاريخية والتحريات الأثرية عن وجود صلات قوية فعلاً بين ومدن جنوب الصحراء، حيث كانت الأولى تمدها بما تحتاج إليه من منتوجات متنوعة، كان من بينها خاصة المواد الغذائية الفخار والألبسة المختلفة. فقد لفت نظر الجغرافيين العرب القدامي أن طابع العري شبه التام كان هو الغالب على سكان بلاد السودان لكن مع انتشار الإسلام وتأثر السكان المحليين بالنمط المعيشي العربي بدأ تدريجياً تعميم ارتداء الأقمشة بل ودخلت زراعة القطن إلى

بالغشال سجلماسة

أو دغشت من سجلماسة، بحيث تحولت إلى مركز هام لإنتاج النسيج مع منتصف القرن 11 م. من أبرز مظاهر هذا التأثير أيضاً اعتماد بلاد السودان لأنماط تخطيط المدينة العربية الإسلامية بأسوارها، بمساجدها، بأسواقها وبدورها وشوارعها، … وكذلك من حيث اتباع طرق البناء سواء بالطين أو بالحجارة. ويرجع الفضل الأكبر في ذلك إلى التجار والعلماء المغاربة الذين استقروا بحواضر بلاد السودان حيث شيدوا منازل لا تختلف في شيء عن منازل فاس ومراكش وسجلماسة. فالأبحاث الأثرية التي أجريت بموقع أو دغشت أبرزت مدى التشابه التام بين مكوناتها العمرانية وتلك المكتشفة بسجلماسة حتى عرفت المدينتان بالشقيقتين.

وفي هذا الصدد يمكن استحضار إشارة تاريخية قدمها لنا ابن خلدون حيث تحدث عن أحد أعظم ملوك إمبراطورية مالي هو منسى موسى بداية القرن (14 م الذي جلب من المغرب أحد العارفين بالهندسة المعمارية ويدعى إبراهيم محمد الأنصاري الساحلي المعروف بالطوينجي قصد بناء دار الإمارة. يقول ابن خلدون: أطرف إبراهيم الطوينجي السلطان منسى موسى ببناء قبة مربعة الشكل

(1)

(2)))

Maurice DELAFOSSE: «Les relations du Maroc et du Soudan à travers les âges»، in Hespéris، 1955; p 153. dem. p: 157.

2315

230