أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٢

ب - كما عرف الإسلام طريقه إلى وسط القارة، وعند بحيرة تشاد بدأ الإسلام يأخذ في الانتشار في تلك البقاع منذ القرن الحادي عشر الميلادي واستمر في الانتشار بفضل الدعاة المخلصين من التجار والجاليات العربية والعلماء المتجولين، إلى أن هذه المناطق، وانضوت تحت لوائه في القرن الثالث عشر)

(1)

عم

وكانت الصلات بذلك تتأكد وتترسخ أركانها، فعلاوة على المصالح التجارية صارت أخوة الإسلام من أقوى الأواصر التي تؤكد التواصل الثقافي وترسخه. علما أنه اي

دخل الإسلام أرض (الهوسا)، ومن الصعب على الباحث أن يحدد بداية لدخول الإسلام إلى هذه المناطق، لكنه كان بلا ريب قبل القرن الخامس عشر الميلادي، وقد دخل الإسلام هذه المناطق من جهة الغرب لا من جهة الشرق كما هو الحال بالنسبة لكانم - برنو). ويعزى دخول الإسلام إلى جماعة (الونجراوة) الذين نزحوا إلى إقليم (كانو) إبان حكم الساركي الحادي عشر، وهو: (ياجي بن تساميا): (1349 - 1384 م) (2).

ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي بدأت (الهوسا) تحظى باهتمام علماء الشمال الأفريقي، فوجهوا اهتمامهم نحوها، ويروى أن عالماً كبيراً قدم من مصر مع تلاميذه إلى أرض الهوسا لنشر العلم بين الطلاب والراغبين في التعلم. وكان يحمل معه مختصر خليل بن إسحاق في الفقه المالكي، وما أن سمع به طلاب العلم حتى التفوا حوله لسماعه ونقله عنه (3). وهذه الرواية يشير إلى أن الإسلام قد استقر في هذه الأماكن قبل الحادثة بزمن ليس بالقصير وإلا فما الذي جعل الطلاب يقبلون هذا الإقبال على ذلك المختصر، إن لم يكونوا سمعوا عنه من قبل، وعرفوا غيره من كتب الفقه حتى يولوه هذا الاهتمام.

وفي الربع الأخير من القرن الخامس عشر الميلادي ظهرت حركات إصلاحية ونهضة في التعليم في أرض الهوسا على أيدي حكام كانو - كاتسينا - زازاو - وغيرهم. كما عرفت الفترة ظهور عالم جليل ومصلح كبير، هو الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني، فقد ذكره أحمد بابا التنبكتي في كتابه، ونعته بالعلم والفهم والصلاح والذكاء والدفاع عن السنة، وذكر طرفاً من حياته وجهاده (4). وقد قام هذا العالم بإصلاحات كثيرة وكبيرة في مجالات التعليم والإدارة والتشريع والاقتصاد والاجتماع، وتولى عدة وظائف قيادية أثبت فيها جدارته ومهارته، وتوفى (909 هـ) (5). كما حظيت أرض الهوسا أو (الحوصة) باهتمام علماء الشرق فهذا جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) يؤلف كتاباً عن الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في أرض التكرور، خاصة منها

(1) بروکلمان، (م. س): ص 640، وباسيل ديفدسون: (م. س) ص 37. (2) د. أ. م. كاني: (م. س) ص 16. (3) المصدر السابق، ص 17، نقلاً عن ابن الحاج أصل الو نجرادة ص 18. و من اين منا من لا من الان (1) (4) نيل الابتهاج، تح. عبد الحميد الهرامة كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، الطبعة الأولى، 1989 م ص 576 - 579. (5) أحمد بابا م. س وتوماس أرنولد (م. س ص 357، وكاني (م. س) ص 17 - 21.

الهوسا. وقد زار السيوطي تلك البلاد، ووقف على الكثير من أخبارها هذا علاوة على ما كان يسمعه عنها من الطلاب الذين يفدون إلى الأزهر والحجاج الذين يذهبون إلى الأراضي المقدسة، ويتوقفون في طريقهم بالقاهرة (1).

استمر النشاط الثقافي في صعود، وازدهرت الحركة العلمية باضطراد في أرض الهوسا ووسط السودان، حتى إذا أطل القرن الثالث عشر الهجري طالعتنا المصادر بعالم جليل، واسع المعرفة، ذائع الصيت، نشأ في أرض الهوسا وتخطت أفكاره وأخباره الحدود، ذلكم هو العالم الجليل محمد بن محمد الفلاني الكاتسيناوي، فقد ترجم له الجبرتي، وأفاض في ذكر فضائله وأخباره، ووصفه بالتبحر في العلوم، وذكر أن له عدة مؤلفات مفيدة في الفقه واللغة والحساب وغيرها ولد في كاتسينا وتوفي بالقاهرة أثناء رحلته إلى الحج (1154 هـ - 1741 م) (2).

وازدادت العلاقات الثقافية نشاطاً وارتباطاً في القرن التاسع عشر الميلادي، عندما أصبحت (كاتسينا) محطة تجارية علاوة على كونها مركزاً علمياً يؤمه طلاب المعرفة والعلماء في أنحاء أفريقيا، ويقال إن جاليات كثيرة نزحت من الشمال واستقرت في (كاتسينا) خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساهمت في نشر الثقافة وتدعيم العلاقات الاجتماعية (3).

كيلك

ج - أما في شرق القارة: فقد أخذ الإسلام طريقه إلى تلك الديار قبل ذلك بكثير، ومن المعلوم أن أول حضور للإسلام خارج الجزيرة العربية كان بشرق أفريقيا. فقد عرفت هذه المناطق الإسلام منذ فجر تاريخه، حيث هاجر المسلمون الأوائل إلى أرض الحبشة بأمر الرسول - - واستقروا هناك حيناً من الدهر ومع مرور الأيام انتشر الإسلام في شرق أفريقيا، وتدفق إلى قلب الهضبة الحبشية، وتخطى الساحل إلى المناطق الداخلية من كينيا وتنزانيا، وغيرهما (4).

(5)

وقد حدثت هجرات كثيرة من الجزيرة العربية قبل 1200 سنة)، وحلت بشرق أفريقيا، وحمل هؤلاء المهاجرون معهم الإسلام إلى هذه الديار ونشروا دينهم ولغتهم فيها، وتكونت هناك صلات ثقافية، ازدادت وترسخت مع مرور الأيام. كما شهد شرق القارة قيام الممالك الإسلامية المتعاقبة مثل: أوقات، داوارو، أواميني، المهدية شرخا، بالي دارة، الخ. بالإضافة إلى المشيخات والمدن الساحلية، مثل: مقديشو،،عوان كلوي وغيرها وكانت جميعها على اتصال دائم بالعالم الإسلامي، وتوطدت صلاتها معه عن طريق الحج والبعثات التعليمية (6).

(1) انظر: السيوطي، حسن المحاضرة وكاني (م. س) ص 20 وما بعدها. (2) عجائب الآثار، دار الجيل بيروت، الطبعة الثانية 1978 ص 1/ 236 - 238. (3) د. أ. م. كاني: (م. س) ص 22 وما بعدها.

،

(3)

(4) انظر: حسن أحمد محمود الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، دار النهضة العربية القاهرة 1967 - ص 8 وما بعدها. (5) باسيل ديفدسون، (م. س) ص 54 وما بعدها. (6) انظر: إبراهيم طوقان الإسلام) والممالك الإسلامية (الحبشية المجلة المصرية، ص 5، 6، 22 وانظر يوسف أحمد الإسلام في الحبشة. مكتبة حجازي القاهرة 5

1935

(ar)

23

22