أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٣٧المنطقة تحت لواء التوحيد الكامل لله عز وجل وتحقيق الحرية الحقيقية التي يصبو إليها كل شعوب المنطقة عرباً كانوا أو غيرهم.
عبد الله بن ياسين: ثالث ثلاثة رفعوا منارة الإسلام فكراً وعقيدة ومنهاجاً من الشمال الأفريقي وفتحوا القلوب والضمائر بعد فتح المدن والقرى: ف القناا قلم ها مالموع
الأول: عقبة بن نافع. الثاني: إدريس بن عبد الله. الثالث: عبد الله ياسين. بن
ما ان بناب مختايه) نازة أحمد بابا للمقري
•
فقد أشبه عمل عبد الله بن ياسين عمل عقبة بن نافع الفهري وإدريس بن عبد الله الكامل بل أتم عملهما وما بدأا به وكانت الفتن وعموم الضلالات المنتشرة بعد تقلص الدولة الإدرسية (1). كادت الجهالة تطبق على البلاد وتعفى معالم الرشد، ولولا ظهوره وقيادته الحركة المرابطين لتعثر سير الإصلاح الكبير الذي أتى به الإسلام بل لتوقف واتخذ الغرب الإسلامي اتجاهاً آخر غير ما هو عليه من التزام بمذهب أهل السنة والجماعة والإرتباط بالأمة العربية الإسلامية إلى الأبد. وكان أساس الخطة التي سار عليها موضوعاً بعلم ومعرفة وكانت انتفاضة شعبية إصلاحية مخلصة. ضد دول الأغراض والمطامع والمغامرين من أتباع المذاهب الزائفة فلذلك كتب لها النجاح، وبسط ظلها على المغرب كله وعلى أقطار أخرى من أفريقيا وعلى الأندلس.
،
وعبد الله بن ياسين إذا نظرنا إلى ثقافته والتي سيطل بواسطتها على المنطقة بأكملها من طنجة إلى ما وراء الصحراء الكبرى حيث سيؤسس هناك رباطاً (2) آخر يختص به وبما من عجله تحقيقاً لأفكاره ووازعه الديني السني الذي ينوي القيام بنشره والدفاع عنه بصدق وأمانة. فهو ينتمي إلى الغرب الإسلامي في كل ما يمكن أن يمس هذا الجانب، من دينه يتسم فيه بالبعد عن الشعوذة وكل ما يمس العقيدة الإسلامية فسفره إلى الأندلس لم يفده للاضطراب الذي، عمها، والعلم لا يعيش مع الفوضى وعدم الاستقرار ولذلك نراه يعود مسرعاً إلى المغرب وإلى شيخه وجاج بن زلو أو رباطه الذي اتخذه ببلاد نفيس في إقليم سوس وقد كان عبد الله بن ياسين من حذاق الطلاب الأذكياء النبهاء وأهل الدين والفضل والتقى والورع والفقه والأدب والسياسة مشاركاً في العلوم الأخرى، ولا يمكننا إلا أن نصدق بهذه الأوصاف لأننا سوف نلمس ذلك عندما نستوعب فكرة إنشائه لرباطه الخاص بعيداً عن رباط ـ نفيس ـ وذلك في السنغال وسوف يعرف بذلك رباط السنغال ليتمكن من تدعيم فكره في المنطقة بكاملها ويهيئ لها حماية تامة بعد التجربة التي لمسها من قراءاته بعد عقبة بن نافع الفهري وإدريس بن عبد الله الكامل وما كان سيندلع في البلاد من فوضى فكرية عقدية تؤدي
(1) عبد الله كنون عبد الله بن ياسين ص 5 - دار الكتاب اللبناني - بيروت.
(2) الرباط: تفيد أولاً ملازمته ثغر العدو كما في قوله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا).
إلى نهاية الإسلام السني والفكر الثقافي الجامع للشمال والجنوب في بلاد واحدة وجماهير إسلامية واحدة تدين بدين الإسلام على مذهب مالك وعقيدة الأشعري ويمكنني أن أقول إذا كان العصب الأول للتاريخ الفكري والديني للغرب الإسلامي هو المالكية فإن العصب الثاني هو رباط السنغال بل قد يكون هو علة وجود الإسلام السني وإقراره لقد كان تأسيس عبد الله بن ياسين للرباط مدرسة مبكرة لقيام معالم وحدة ثقافية تجمع في ثناياها شعوب المنطقة وتصهرهم في بوتقة واحدة لا انفصام لها. ففيه يقرؤهم القرآن ويعلمهم السنة ويستميلهم إلى الآخرة ويرغبهم في ثواب الله عز وجل. فلم تمر مدة يسيرة حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل من أشراف صنهاجة. فسماهم المرابطين أو سماهم الناس بالمرابطين وكان هذا الاسم هو أحسن ما يمكن أن يسموا به لذوبان انتماءاتهم القبلية الآن انتماءات طالما فرقت بينهم وجعلت بعضهم عدوا لبعض إنهم فيه، وهي تجمع بينهم عقيدة الإسلام واهتم الشيخ بهذه الفئة المؤمنة ورباها على التعاليم الإسلامية الصحيحة، لتكون المثل والنموذج الذي يحتذى فيما ينوي القيام، به وهو بصدد الاستفادة منها في نشر دعوته الإصلاحية وحمل القبائل في الغرب الإسلامي التي تنتمي إليها على الجادة بالموعظة والتذكير وبغير ذلك إن أبت الحرية والاستقلال الكامل وتدل خطبته على عقيدته ومستوى ما يطمح إلى الوصول إليه في خلق وحدة فكرية يجتمع الناس إليها عوض القبلية والأرضية والعرقية … الخ.
(يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، وتأمروا بالمعروف وتَنْهوا عن المنكر، وتجاهدوا في سبيل الله حق جهاده» (1).
رجل بهذه المواصفات لن يتقاعس عن الدور المنوط به والذي يعتقد أنه مكلف به من الله عز وجل من تأمين دينه وعقيدته ومنهاجه لذلك نظر إلى الغرب الإسلامي بكل ما يؤمن به وعدم ترك بلاد السودان المتاخمة لأرضة والتي تنتظر منه الإنقاذ مما هي فيه من وثنية وفكر دخيل على إنسانيتها كما يأمره دينه في تحقيق الوحدة الكاملة بين الناس وإسلامهم بالتي هي أحسن فاتجه إلى الجنوب ما وراء الصحراء التي دانت له ولعقيدته لوصل عمل الفاتحين الأولين في هذا السبيل وذلك بدافع الحماس الديني الذي وجد في أتباعه نتيجة للتربية الإسلامية وبطلب من مسلمي الأقطار السودانية المجاورة لديار صنهاجة في جانبي الصحراء الكبرى، خصوصاً وأن حركة إصلاحية يقودها رجل له مواصفات عبد الله بن ياسين لا بد أن يبلغ صداها جميع الأقطار المجاورة وأنها لا محالة ستطمع في قيادة نزيهة عفيفة مثل التي يمثلها عبد الله بن ياسين - فغير بعيد أبداً أن يكون المسلمون في السنغال هم الذين دعوه إلى نصرتهم وكف عادية الرؤساء الوثنيين عنهم كان الداعية عبد الله يتولى تعليم أتباعه وتثقيفهم بنفسه داخل رباط السنغال ولكنه كان يتطلع
(2)
(1) الناصري. الاستقصاء في تاريخ دول المغرب الأقصى، ص 9 جـ 1 دار الكتاب الدار البيضاء. (2) عبد الله، كنون عبد الله بن ياسين، ص 19.
273
272