أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

الثانية: - وجود هذه المصادر والمراجع التي صدرت عن علماء وفقهاء من الأندلس والمغرب وشمال أفريقيا والمشرق العربي في مدينة تمبكتو التي تقع في الجنوب الغربي للقارة الأفريقية يدل على الترابط العلمي والثقافي بين الأقطار الإسلامية جميعها واتصال هذه المدينة بكل الحواضر

العربية.

3 - حكم مخالطة الحكام:

الله عايزكيه

نبه المؤلف في البداية إلى أن كتابه خاص بالتحذير من قرب الظلمة ومصاحبتهم والسعي إليهم ومؤانستهم طلباً لحطام الدنيا الفانية ومن عنوان الكتاب بين المقصود بذلك وهم الولاة الظلمة، وخصص الفصل الأول لما جاء في ذلك من الكتاب والسنة، وذكر آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تركنوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (1) وقد أعادها أكثر من مرة ليستدل بها على منع الاقتراب من الظلمة والاختلاط بهم، وفي قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (2) نقل المؤلف قول سفيان الثوري أنها نزلت في من خالط السلطان، دون أن يفرق بين السلاطين الصالحين أو الظلمة، ثم ذكر بعض الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحث على الابتعاد عن الظلم والظالمين وهي عامة دون تخصيص بالسلاطين أو الولاة، وبعض الآثار المروية عن السلف الصالح تحبذ الابتعاد عن تولي الوظائف المساعدة للولاة تورعاً وزهداً في الحياة الدنيا، واعتبر أحمد بابا أن الجنود والشرطة وأصحاب الوظائف الأخرى في حكم المناصرين للسلاطين بصورة مطلقة، ومن الأحاديث النبوية التي استشهد بها العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان ويدخلوا الدنيا، فإذا خالطوا السلطان وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم) (3) وبصورة مجملة فإن كل ما ذكره من أحاديث وآثار تدل على نفوره من السلطة وتحذيره من الاقتراب من السلاطين وترهيبه من سوء الخاتمة في الدنيا والآخرة، وفي الفصل الثاني عدد كثيراً من الشواهد المروية عن السلف الصالح المتعلقة بهذا المجال، وكل هذه المرويات تحاول تصوير من يقترب من الوالي أو السلطان، كأنه مرتكب لذنب عظيم، فما بالك بمن يساعده أو يعينه أو يجلس معه ويتحدث إليه، وينقل المؤلف قول الثوري: لو دعاك الحاكم لتقرأ له (قل هو الله أحد) فلا تذهب إليه وقول الفضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم سورة من القرآن وقول الثوري أيضاً إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص، وعزز هذه الأقوال بقصص كثيرة نقلها عن بعض العلماء والزهاد وكل هذه القصص تدل على وجوب الابتعاد عن الوالي أو الحاكم أو صاحب وظيفة عامة أو وظيفة سياسية وكأن مخالطة هؤلاء في حد ذاته أقرب إلى التحريم منه إلى التحليل. ان بيته له تقيقه رله والقال

(1) سورة هود الآية 113. (2) سورة المجادلة الآية 22.

(3) كتاب جلب النعمة ودفع النقمة، ومخطوط، ص 37.

هو

الي الهاجمل ريله ابي له عليت کال ابنه اقبال ف سنة يا قال الشمال

وليتنا

لما لها

وإن كان أحمد بابا لم يفرق في كلامه بين الحكام الصالحين والحكام الظلمة من خلال سرده للآثار والروايات التي جاءت نصوصها عامة دون تفريق، إلا أن كلامه يجب أن يحمل على الحكام الظلمة دون الحكام الصالحين، ذلك ما يدل عليه عنوان الكتاب ومقدمته، وهو التحذير من الظلمة، إلا أنه من خلال سرده، وتسلسل النقول التي أكثر منها يبدو ميله الشديد إلى مجافاة الحكام مطلقاً، وتغليبه جانب الحرمة أو الكراهية على جانب الندب أو الاستحباب يسيطر عليه اتجاه صوفي واضح إلى الزهد والورع وتغليب الآخرة على الدنيا وزخارفها، وربما يعود ذلك إلى تأثير البيئة التي عاش فيها، فمدينته تمبكتو تبعد كثيراً عن الحواضر الإسلامية التي تقع في شمال أفريقيا، وليس الخروج منها أو الوصول إليها بالشيء السهل، فهي مدينة تقع على ضفاف نهر النيجر، وتلفها الصحراء من جميع الجهات حتى الوقت الحاضر، وقد أطلق عليها أحد الباحثين المعاصرين لقب جوهرة الصحراء التي تغمرها الرمال (1). ما تي انا ملي اشقا مخلتفة بية 4 ـ رأيه في حكام عصره: لم يصرح بهذا الرأي مباشرة، إنما هو مستخلص من ذكره لوقائع وقصص وروايات كثيرة نقلها من المصادر التاريخية، وذلك لتوظيفها في التدليل على وجهة نظره التي تتلخص في الابتعاد عن الحكام وأصحاب النفوذ، وعدم الاختلاط بهم بأي شكل من الأشكال حتى ولو كان لتقديم النصح لهم، أو لرفع مظلمة عن الغير ومع ذلك ركز على وقائع خاصة انتقاها من الحوادث التاريخية ليجعلها فصلاً مستقلاً في كتابه، أطلق عليه في ذكر وقائع ومصائب وقعت لبعض من ابتلى بخلطتهم) وتتلخص هذه الوقائع في الاضطهاد والتنكيل والتعسف والعداء الذي حصل لبعض العلماء والفقهاء الذين كان لهم دور في التاريخ الثقافي، ونشر العلوم في عصرهم وإلى الوقت الحاضر، ممن بلغت شهرتهم الآفاق، وتناقلت أخبارهم الروايات في كتب التاريخ والتراجم، وتركوا من المؤلفات التي ما زالت متداولة حتى الآن، فبدأ بذكر قصة يعقوب بن السكيت إمام النحو واللغة الذي قتله الخليفة المتوكل بعد مناقشة حادة اختلف معه فيها، والإمام الطغرائي صاحب لامية العجم المشهورة الذي قتله السلطان طغربل بن محمد ملكشاه بهراة وما وقع للإمام العلامة الوجيه ذي الرئاستين لسان الدين ابن الخطيب الغرناطي صاحب المؤلفات المشهورة، تولى الوزارة بالأندلس في عهد السلطان يوسف بن إسماعيل، ومع ابنه أبي عبد الله بن الأحمر ما يقارب عشرين سنة في عز وجاه، ثم تغير عليه السلطان فهرب إلى المغرب، فتآمر عليه الأعداء واتفق عليه الساسة في البلدين فحوكم وقتل ودفن، ثم مثل بجثته بالحرق وأعيد إلى القبر، وما وقع للعلامة الإمام الشهير شمس الدين ابن مرزوق الذي خدم أكثر سلطان وفي كل مرة يغضب عليه فيسجن ثم يطلق سراحه فيهاجر ويحدث له مثل ذلك، من وتنقل في أرجاء الأندلس والمغرب العربي وشمال أفريقيا إلى أن توفي في مصر ودفن هناك.

،

،

(1) تمبكتو جوهرة تغمرها الرمال تحقيق ميداني قام به وأعده الأستاذ محمد عبد الرحمن سوالمية، الطبعة الأولى 1986 ط:

لبنان.

307

306