أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

إن نقل تلك الوقائع التاريخية بتفاصيلها تجعل من القارئ لكتابه على بصيرة بما حدث لهؤلاء الأعلام من نكبات وتنفره من التقرب إلى الحكام والولاة بصورة مطلقة، دون تمييز بين الصالح منهم والظالم وهذا الذي يقصده أحمد بابا فيما أحسب وخاصة العلماء الذين ينصحهم بالابتعاد عن الحاكم وعدم مخالطته، والفرار منه كما يفر من الأوبئة والأمراض، وقد تطرق بعض الفقهاء لهذه الأمور مثل الغزالي في الإحياء، والوليدي في الحلال والحرام، والداودي في الأموال، والشبلي في التقسيم والتبيين، ولكنهم قلما يذكرون الحوادث التي وقعت لبعض العلماء إلا نادراً، أما المؤلف فقد كان كتابه سرداً للكثير من تلك الروايات والنقول التي جلبها من مختلف المصادر، بما يدل على أنه يرى في الحكام السابقين والمعاصرين له الظلم والفساد وسوء العاقبة، فيجب عدم الاختلاط بهم، ولو كان ذلك في خدمة العلم والمسلمين طالما أن هؤلاء لا يؤمن جانبهم، فقد ينقلبون عليهم بإشارة حاسد أو كيد عدو أو ظن غير مصيب.

وهذه النظرية لم تسد في مختلف الفترات التي مرت على المسلمين ولم يتمسك بها سوى المتصوفة الذين يرونها ركناً من مبادئهم، فلو اعتنقها العلماء والفقهاء جميعاً لساهمت في تأخر المسلمين، وكساد سوق العلم والثقافة في بلدانهم، لذلك شهدت الدول الإسلامية التي قامت في التاريخ عصور ازدهار ثقافي وتقدم علمي، ساهم فيه الحكام بنصيب وافر من التشجيع والبذل والعطاء ببناء المدارس والمساجد وإنشاء المكتبات وجلب الكتب وتقريب العلماء وإعانتهم والرفعة من شأنهم، ولهذه الإشارات شواهد كثيرة في المصادر التي ذكرها في كتابه ونقل منها، ولكنه ـ فيما يبدو قد تأثر بمبادئ التصوف فلم يعد يرى في التقرب من الحكام طريقاً سليماً، وقد يعود الأمر إلى تأثير البيئة التي عاش فيها أثناء تأليف الكتاب، فما أن انتقل إلى مراكش في ظروف مكرهة جعلته قاسياً في بداية الأمر حيث خاطب السلطان أحمد المنصور بحدة في أول مقابلة معه، ولكنه ما لبث أن تأقلم مع الجو الحضري وأصبح يدرس في المساجد ويقوم بالإفتاء ويؤلف الكتب، ويلتقي العلماء ويتجول في البلاد ويزور قبور الأولياء والصالحين)

(1)

5 - رأي فقيه مغربي في مخالطة الحكام:

هناك رأي آخر فيما يتعلق بالموضوع الذي عالجه أحمد بابا في كتابه، وهو مغاير للرأي السابق، فقد وقفت على صورة ضوئية لمخطوط صغير الحجم، تبلغ عدد صفحاته إحدى عشرة صفحة فقط، بكل صفحة اثنان وعشرون سطراً، مكتوب بخط مغربي دقيق / مؤلفه: الشيخ الفاضل

(1) ذكر الأستاذ عبد الوهاب بن منصور في ترجمته لأحمد بابا القصة التالية: ويذكر أن السلطان أبدى رغبته في الاجتماع به والتذاكر معه بعد خروجه من السجن، فلما دخل عليه بقصر البديع وجده المترجم يكلم الناس من وراء حجاب بحيث يسمعون صوته ولا يرون وجهه فقال له: إن الله تبارك وتعالى يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَابِي حِجَابٍ) وأنت تشبهت برب الأرباب فإن كان لك حاجة في الكلام معنا فانزل إلينا وارفع الحجاب عنا، فنزل السلطان، وفي ترجمته أيضاً النشاط الذي قام به أحمد بابا بصورة أكثر تفصيلاً، أعلام المغرب العربي ص 5/ 334.

ليا

أبو القاسم رايسون (هكذا) وهو كتيب صغير أو رسالة أطلق عليها اسم: (واضح البيان في حكم مخالطة الولاة والسلطان) (1) بدأ المؤلف في المقدمة ببيان الغرض منه حيث قال: وبعد فإني لما رأيت بعض الأخوان ممن له تورع صحيح له تورع صحيح وإيمان تولع بذم العلماء الأعيان وتخطئتهم بمخالطة الولاة والسلطان، وعزاهم في ذلك إلى المداهنة والعصيان دون استثناء ولا تفصيل ولا برهان، وبهذا يرد على الرأي الذي يقول به أحمد بابا وأمثاله والدلالة واضحة في أن القائلين بذلك هم أصحاب ورع وإيمان، وهي إشارة إلى المتصوفة الذين ينفرون من التقرب إلى السلطة.

قسم هذا الفقيه بحثه إلى ثلاثة فصول الأول: في مخالطة أهل الإمارة وما فيها من تفصيل وإشارة، والثاني: في الرئاسة والمداراة والسياسة والثالث: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن استطاع على ذلك وقدر، وبين في الفصل الأول حكم مخالطة الحكام والولاة، فقال: أعلم أن الناس في مخالطة الأمراء على أقسام منهم من تجب عليه مخالطتهم، ومنهم من تستحب في حقه وتتأكد، ومنهم من تحرم، ومنهم من تباح أو تكره.

رية لكا

،

ثم أخذ في تفصيل هذه الأحكام الشرعية على كل حالة بمفردها، وينسحب الحكم في الحالتين على الوالي أو الحاكم العادل أو الجائر، والفرق عنده في كيفية التعامل مع كل واحد منهما، فالواجب يقع على من عرفه الحاكم وعينه لخلطته ولم ير سبيلاً للانفكاك، فإذا كان الحاكم جائراً فيجب على من خالطه التحفظ وعدم الركون إليه بقلبه وعدم مخالفته أما إذا كان الحاكم عادلاً فيكون الوجوب لأجل الطاعة الواجبة للإمام … يتضح من ذلك الفرق بين الرأيين فأحمد بابا التمبكتي متشدد في مخالطة العلماء والفقهاء للسلاطين والأمراء والولاة بصورة عامة في الوقت الذي يرى الفقيه المغربي أن مخالطة الولاة السلاطين تخضع للأحكام الشرعية المعروفة وهي الوجوب، والحرمة، والكراهية، والندب، والإباحة، ومن غالب نصوص هذه الرسالة يرى مؤلفها وجوب مساعدة صاحب السلطة السياسية في البلاد، وإعانته بالنصح والإرشاد، ورد المظالم وفعل الخير، ومداراة المتشدد منهم في سبيل ذلك، واتباع نهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأحوال ولا يقتصر على ذلك، بل يتناول حكم تولي الوظائف العامة مثل الرئاسة، وغيرها ويفرق بين مدلول الرئاسة والمداراة والسياسة، فإذا كانت الرئاسة لجلب مصلحة أو دفع مضرة فهي جائزة بل مستحبة، وإذا كانت مؤدية للتجبر والتكبر والافتخار فهي حرام، الخ ........ ، وهذا الفقيه ليس متساهلاً ـ كما يفهم - بل يقدم رأياً فقهياً استدل عليه بنصوص كثيرة، ويتفق مع واقع الحياة السياسية في عهده، واعتقد بأن له تجربة استفاد منها في وضع هذه الرسالة الصغيرة الحجم العظيمة الفائدة، بما ورد فيها من حسن التدبير والتصرف وسياسة الأمور بالعقل والكياسة، سواء من قبل العالم أم من صاحب المنصب السياسي.

(1) تحصلت على الصورة الضوئية من هذه الرسالة عن طريق صاحب مكتبة في الرباط، وذلك للاطلاع عليها، ولم يذكر لي مكان الأصل وفاتني سؤاله، وتاريخ نسخها يعود لسنة 1288 هـ، ولم أهتد لترجمة المؤلف أو الحصول على نسخ أخرى.

309

308