أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٦٠صحبه أربعين يوماً بغير عقل فقد لبس شعار الغرور … وقال بعض الحكماء: من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. . . (1).
والأخبار الواردة في هذه الفصول وإن كانت صحيحة نظراً لاعتمادها على أصول ثابتة وعلى ثقة من صدرت عنهم، فإن المؤلف دعم هذه النصوص والآثار بأحداث مؤلمة تعرض لها أعلام بارزون لم يشفع لهم علمهم ولا آثارهم التي تعتبر من أسس الثقافة العربية والإسلامية، ولم يهمهم وقارهم وشهرتهم في مراكز العلم ومجالس العلماء والأدباء.
لهذا خصص الفصل الرابع لجملة وافرة من أنواع العذاب، والنقمة أكد بها التنبيه والتحذير من الانسياق مع الأهواء، واتباع بريق السلطة وخاصة إذا كان أهلها ظالمين لا يترددون في إلحاق الأذى بمن يفترض فيه أن يعزّ لا أن يهان!! وأن يحمى ويصان لا أن يراق دمه لأتفه الأسباب أو لمجرد وشاية كاذبة يختلقها الحساد تقرباً لأولياء نعمهم لكسب رضاهم وثقتهم ليعيثوا في الأرض فساداً!!. فالأمثلة الواردة في هذا الفصل تعتبر من أفظع صور المحنة والعذاب التي تعرض لها أعلام الفكر الإسلامي على مر التاريخ، وتعتبر من وجه آخر مثالاً للجبروت والطغيان ودليلاً قاطعاً على تغليب الأهواء على الحق والعدل والدين من قبل من كلف برعاية وحماية أحوال الناس عامة … ومن ذلك ما تعرض له إمام اللغة والنحو الشيخ يعقوب بن إسحاق الشهير بابن السكيت (2) الذي دعاه المتوكل العباسي جعفر بن محمد (ت: 247 هـ / (861 م) لمنادمته وتعليم أبنائه فبينا هو معه أقبل عليه ولداه المعتز، والمؤيد فقال له: يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم ذات الحسن والحسين. فغض يعقوب من ابنيه وقال: قَنبَرٌ خير منهما وأثنى على الحسن والحسين بما هما بالة أهله، وقيل: قال: والله إن قَنْبَراً خادمَ عَلِيٍّ خير منكم ومن ابنيك فأمر الأتراك فداسوا بطنه. وقيل قال: سُلّوا لسانه من قفاه. ففعلوا به ذاك فمات. . . وقلت وسببه أن المتوكل كان قاسياً شديد الكره لمولانا علي كرم الله وجهه ولأولاده وابن السكيت شيعي فتنافيا. . (3).
يوم
(0)
وتعرض لأحداث أخرى أكثر إيلاماً وأبعد عمقاً في جراح الجسم العربي، تمتد من المشرق إلى المغرب والأندلس، فساق منها الأخبار المتعلقة بمحنة ابن الخطيب وخنقه في غياهب سجنه بفاس (سنة 776 هـ / 1374 م) بعد انقلاب الأوضاع في أسرة بني الأحمر بغرناطة وبني مرين بفاس ضد
(1) جلب النعمة ورقة 254 - 256
()
(2)
(2) قال عنه ثعلب: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت من أشهر كتبه (إصلاح المنطق) و (المذكر والمؤنث) و (كتاب الأجناس) و (كتاب الحشرات) و (الشجر والنبات و الأضداد … وغيرها كانت حادثة قتله (سنة 244 هـ / 858 م) انظر وفيات الأعيان 3956 - 401 وبغية الوعاة للسيوطي 2/ 349 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار
الفكر ط 2، 1979).
(3) جلب النعمة ورقة 258، وقد نقل أحمد بابا التنبكتي الخبر من بغية الوعاة المتقدم ذكره لنا بالبال المال
من كان يؤيده ويحميه من العدوتين (1) معاً، وحين شعر بنهاية الأجل المحتوم على يد خصومه وحساده قال: (متقارب) فقل للعدى ذهب ابن الخطيب
وفات ومن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له فقل: يفرح اليوم من لا يموت كما أشار إلى محنة الفقيه العلامة الخطيب محمد بن أحمد الشهير بابن مرزوق الجد (2) مخدوم السلطان أبي الحسن المريني الذي بعثه إلى أبي ثابت بن زيان حاكم تلمسان وأخيه أبي سعيد، فأوغر صدرهما بعض الحساد على ابن مرزوق قائلين لهما: إنه يبغضكما فكبل ووضع في السجن، الذي ظل فيه تسعة أشهر ذاق خلالها شر أنواع العذاب، وبعد إطلاق سراحه انتقل إلى الأندلس، ومنها استدعاه أبو عنان المريني إلى فاس وظن أن الحياة قد ابتسمت له بعد عبوس. وأن صفاء العيش خلا من كل ما يكدره فإذا بالمحن تأبى إلا أن تلاحقه، وتنال منه ألسنة الحساد والخصوم فيودع في غياهب السجن ليذوق عذابه وآلامه ولم تقبل في تخليصه منه إلا شفاعة أهل العباد الذين قدموا إلى فاس متوسلين بالشيخ الصوفي أبي مدين شعيب بن الحسن (أو الحسين الأندلسي التلمساني (3)، ولما مات أبو عنان خدم ولده السعيد بالله أبي بكر ثم عمه أبا سالم إبراهيم ابن أبي الحسن. فابتسمت له الأيام من جديد فبلغ عنده مبلغاً عظيماً، فغار منه الأمراء، وكانوا يظهرون له الجميل، ويبطنون خلافه، وأكبرهم عليه نكاية الوزير المشؤوم عمر بن عبد الله المريني (4). المتسبب في إزالة دولة أبي سالم، فأخذ ابن مرزوق أخذاً شديداً ونكله وسجنه زمناً طويلاً إلى أن أطلق وشرط عليه ألا يقيم بالمغرب فنفاه إلى تلمسان فورد على سلطانها أبي حمو. . . فقام وزيره حينئذ عبد الله بن مسلم،
،
(1) بعد فرار ابن الخطيب إلى المغرب لقضاء بقية عمره فيه، نظراً لما لقيه من عناية أبي سالم عبد العزيز ابن أبي الحسن المديني الذي أغراه بن الخطيب بضم ملك بني الأحمر في غرناطة إلى المغرب لما في هذه الإمارة من دسائس ومؤامرات، وبعد موت أبي سالم، ولى وزيره أبو بكر ابن غازي ولده أبا زيان محمد وكان صغير السن فاستبد بالأمر دونه، مما جعل ملك غرناطة الغني بالله محمد بن يوسف يسلح الأمير أحمد بن أبي سالم الذي كان مغرباً في سبتة لاسترداد ملك أبيه من أخيه الصغير، ومن وزيره ابن غازي بعد أن شرط عليه التنازل عند نفوذ بني مرين في جبل طارق، والقبض على ابن الخطيب، ومقابل دعمه بالسلاح والجيوش نفذ كل ما طلب منه. وأصبح المغرب كأنه ولاية تابعة لحكم غرناطة انظر تفاصيل هذه الأحداث في أزهار الرياض لأحمد المقري 226/ 1 - 231 تحقيق مصطفى السقا ومن معه مطبعة فضاله المحمدية، والاستقصا 62/ 4 - 64).
(2) من مؤلفاته: شرح عمدة الأحكام في الحديث و (إيضاح الراشد فيما تشتمل عليه الخلافة من الحكم والفوائد) و (المسند الصحيح الحسن في أخبار السلطان أبي الحسن (ت: 781 هـ / 1379 م) انظر مصادر ترجمته في (جامع القرويين 497/ 2 د. عبد الهادي التازي دار الكتاب بيروت،1973، والأعلام للزركلي 5/ 328 - 329). (3) أصله من الأندلس سكن بجاية وكثر أتباعه فضافه السلطان يعقوب المنصور بسبب لإزالة الريب وستر العيب) (ت: (594 هـ / 1197 م) انظر: مصادر ترجمته في الأعلام للزركلي 166/ 6. ط 6).
ذلك، ومن مؤلفاته (مفاتيح الغيب
(4) المعروف بالفودودي أحد كبار الدولة ووزرائها تزعم الثورة ضد أبي سالم بمساعدة رئيس جند النصارى (غرسية بن أنطون). وبعد فرار أبي سالم في جنح الليل من فاس أمر هذا الوزير بالبحث عنه إلى أن وجد متنكراً في ضواحي وادي ورغة، فقبض عليه وقطع رأسه وحمل في مخلاة إلى الثائر عليه، وكان ذلك سنة (762 هـ / 1360 م) انظر الاستقصا 4/ 37 -
(39 ($)
319
318