أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

ويبدو

أن هذا الوضع المضطرب ظل قائماً إلى بداية القرن الخامس الهجري، يفهم ذلك من إنكار شيخ الفتوى في عصره، أبو الحسن القابسي ت 403 لعقود القراض (1) التي تجعل بلاد السودان وجهة لها. وعلل الإمام القابسي رأيه بأن السفر إلى بلاد السودان غير مأمون، فهو يخالف السفر إلى أمصار المسلمين وفيما يلي نص المسألة وجواب القابسي عنها كما أوردها صاحب المعيار، سئل القابسي عمن دفع إلى رجل قراضاً ليمضي إلى ناحية تادمكة وهي بلاد السودان، بهذا اللفظ جرت الكتبة فيما بينهما وبذلك شهد الشهود، فسافر إلى تادمكة ثم مضى منها إلى غانة وأودغست وتأهل هناك وَوُلِد له وأقام إحدى عشرة سنة من يوم خروجه من البلد الذي أخذ فيه المال، وعلى هذا العامل ديون باع القاضي فيها ماله ليقسمه بين الغرماء فقام من له القيام بهذا القراض هل يضرب له مع

الغرماء. . . …

الفة فأجاب القابسي بأن هذا العامل قد تعدى فيما وصف به من الإبطاء في هذه المدة البعيدة. ثم قال: على أني أقول إن إعطاء القراض على ذكر السفر إلى بلاد السودان غير جائز ليس هو عندي كالعطاء على السفر إلى أمصار المسلمين شرط بلاد السودان عندي في القراض غير مأمون ولا

مرضي

(2)

،

بية

يترتب عن قيام هذه الحركة التجارية بين أقطار الغرب الإسلامي وبلاد السودان الغربي استقرار بعض المسلمين في هذه الأقطار مع ما يستلزمه ذلك من انتشار العقيدة الإسلامية بين السكان الأصليين، واعتناق بعضهم لها. وهذا الأمر يدعو إلى التساؤل عن الوضعية الاجتماعية والقانونية للمسلمين المقيمين في بلاد السودان وعن ظروف إقامتهم خصوصاً في المراحل التاريخية التي سبقت الفتوحات الإسلامية لهذه الأمصار

تفيد بعض النوازل الفقهية أن وضعية المسلمين في بلاد السودان الغربي كانت مريحة ومستقرة. بحيث كان للمسلمين كيان اجتماعي و قانوني معترف به من قبل ملوك بلاد السودان، وكان لهم ناظر يعينه السلطان يتولى الإشراف على أمور المسلمين وتدبير شؤون حياتهم، وكما يقوم بحفظ أموال التجار المسافرين في حال الوفاة.

ق المالية بالمي

(0)

هذا الغرم الذي يتحمله التجار أنه على عدد الأحمال لا على قيمتها، ويعلل ذلك بأنه يؤدي إلى كشف أحوال التجار، ويخاف على من حمله غالٍ من إجاحته في الطريف وعلق الونشيريسي على هذا الاختيار بقوله: وإنه لحسن من الفتوى إذا كان المأخوذ قليلاً، وإن كان كثيراً جداً فالأولى أن يصطلحوا على أن يزاد بعض الشيء على من عنده رخل غال. (1) القراض: عقد بموجبه يدفع شخص إلى غيره نقداً ليتجر به على أن يكون الربح بينهما على ما يتفقان عليه، وتكون الوضيعة أي الخسارة - إن وقعت على صاحب المال. ويسمى القراض أيضاً مضاربة. معجم المصطلحات الاقتصادية في

الفقهاء ص

223

(2) المعيار اللونشيريسي 116/ 9

لغة

يستخلص من بعض النوازل الفقهية أن سكان الصحراء من الطوارق الملثمين كانوا مصدر هذا القلق الذي يتهدد طرق القوافل التجارية بحيث كان يغير بعضهم على بعض ويتغاصبون ماشية بعضهم كما اعتاد أولو الأمر منهم تغريم الرعية

من غير وجه حق. فإذا كان هذا شأنهم مع بعضهم، فإن حالهم مع القوافل التي تمر بديارهم سيكون أشنع وأفضع لا 996 رقم المسألة 289 وأيضاً المسألة 296. محالة. راجع فتاوي ابن رشد الجد الجزء الثاني

ص

ص

1017

،

عن

يشهد لصحة هذا الاستنتاج النازلة التي استفتي فيها الإمام القابسي المتوفى سنة 403 هـ رجل مسلم توفي ببلد السودان من غير وصية ولا خلافة فقام رجل فأخذ مفتاح مخزنه، فأقام المفتاح بيده أياماً، فتبين أنه غير مأمون وفي البلد رجل مسلم ولاه ملك البلاد النظر بين المسلمين ورضي به المسلمون لأنفسهم … إلى آخر ما ورد في نص المسألة (1). الجانب الثاني الذي تروم المداخلة ملامسته وكشف النقاب عن جملة من تفاصيله فينصب على قضية تجارة الرقيق بين بلدان السودان بشقيه الغربي والشرقي - وسائر أقطار العالم الإسلامي. وقضية تجارة الرقيق هذه من القضايا الحساسة التي استأثرت باهتمام العلماء والدارسين قديماً وحديثاً (2). لذلك سنوليها عناية خاصة في هذه الدراسة المتواضعة. في البداية يمكن القول بأن جوهر هذه القضية هو من جملة الآثار المترتبة عن انتهاء الحرب في الفقه الإسلامي (3)، نظمت أحكامه آيات الذكر الحكيم وأحاديث سيد المرسلين الا المال لكن يبدو أن الجشع والشره المادي قد استحوذ على بعض صفات النفوس من التجار وغيرهم مما حدا بهم إلى الإغارة على قبائل مسلمة ببلاد السودان، واختطاف أهلها واسترقاقهم، ويتم بيعهم في أسواق المغرب. وقد استفحلت هذه الظاهرة وعمت بها البلوى ببلاد المغرب على حد تعبير صاحب الاستقصاء (4).

والأمر إذا كان كما ذكر لا بد أن يتحول إلى مادة فقهية تعكس صداها كتب النوازل الفقهية، كما هو الحال في جل الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تفرض نفسها على المجتمع الإسلامي.

وقد تصدى للافتاء في هذه النازلة الشائكة غير واحد من أعلام الفقه الإسلامي منهم من عاش مآسي هذه الآفة، وعاين آثارها السلبية (5).

(1) المعيار 135/ 10 (2) ذكر الدكتور جمال زكريا قاسم أن كثيراً من المصادر الأجنبية تفرد صفحات كثيرة عن تجارة الرقيق العربية، وتميل إلى جانب التهويل إذا ما تعرضت لها في محاولة لإظهار العرب على أنهم مسؤولون عن هذه التجارة وأن الأوروبين هم المخلصون ولم تترك الهيئات التبشيرية والإدارات الاستعمارية التي عملت في أفريقيا بعد انفراد الدول الاستعمارية بالسيطرة على مقدرات القارة الأفريقية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي أية فرصة تمر دون إثارة ذكرى متاجرة العرب في الرقيق والتأكيد للأفريقيين بأن العرب هم النخاسون الذين اختطفوا أجدادهم وساقوهم بالسياط. راجع فصل تجارة الرقيق من كتاب الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية. (3) راجع كتاب الدكتور وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة ص 416 وما بعدها. ريتا (1) (4) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى لأحمد خالد الناصري 131/ 5

(5) أفتى في هذه المسألة الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي ت 914 هـ والشيخ أبو العباس أحمد بن أحمد المدعو بابا السوداني من مدينة تنبكتو المتوفى سنة 1036 هـ حسبما ذكره العلامة الحجوي الثعالبي في الفكر السامي 275/ 4 وآخر من وقفت على كلامه في المسألة العلامة الجليل والفقيه التحرير سيدي المهدي بن محمد بن الخضر العمراني الوزاني ت 1342 هـ. وفتواه في المسألة مذكورة في نوازل العيوب من المعيار الجديد 5/ 339.

335

3342