أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

وسأقتصر بهذه الدراسة على عرض رأي فقيهين جليلين في المسألة. الرأي الأولى لأحد شيوخ الفتوى في الغرب الإسلامي، وهو الإمام الجليل أحمد بن يحيى

الونشريسي.

أما الرأي الثاني فهو لفقيه من جلة فقهاء السودان وهو الشيخ أحمد بن أحمد المعروف ببابا السوداني التنبكتي.

وجه بعض المستفتين (1) رسالتين إلى الإمام الونشريسي والشيخ أحمد بابا التنبكتي يستفتون فيها عن حكم واحد، هو جواز تملك العبيد المجلوبين من البلاد الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، مع إقرارهم بعقيدة التوحيد الإسلامي وفروع الشريعة ونص سؤال الرسالتين، وإن كان يختلف في تحديد البلاد أو الإقليم الذي يجلب منه العبيد فإن عناصر السؤال الجوهرية فيها متحدة. فالجهة التي استفتت الونشريسي تسأل عن العبيد القادمة من أرض الحبشة، فيما يتضمن نص الرسالة الموجهة إلى أحمد بابا السؤال عن جواز تملك العبيد المجلوبين من البلاد الذي تقرر إسلام أهلها كبلاد برنو وعفنو وكنو وكاغو ونحوها ممن استفاض إسلامهم.

وعليه، فإن نقطة الالتقاء في نص السؤالين هو إسلام هؤلاء العبيد الذين يتم جلبهم والاتجار فيهم وإقرارهم بعقيدة التوحيد وبفروع الشريعة الغراء ..

ية السامية

وقبل أن نعرض لرأي الونشريسي وأحمد بابا في الموضوع يحسن بنا أن نبين المصادر التي عولنا عليها في جمع حيثيات هذه الفتوى.

فأما الإمام الونشريسي فقد أجاب عن السؤال موضوع الفتوى في موسوعته الفقهية النفيسة: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل أفريقيا والأندلس والمغرب (2). وأما العلامة أحمد بابا فقد أفرد الجواب برسالة نفيسة ختمها بقوله هذا آخر ما تيسر من معراج الصعود إلى نيل مجلب السود. وإن شئت قسمه الكشف والبيان لأصناف مجلوب السودان (3). اعتمد الإمام الونشريسي في الإجابة عن السؤال الموجه إليه على الثوابت الشرعية المعتمدة في موضوع استرقاق أسرى الحروب، وتوسل بالقواعد الأصولية والفقهية التي تحصلت عند علماء الشريعة على الخصوص فكل من ثبت أصالة كفره، ولم يثبت عليه إسلام في داره ومحل منعته، ونالته أيدي الغانمين بعد الفتح والانتصار فإنه يجوز بيعه وابتياعه، وبين - رحمه الله ـ أن إقرار العبد بكلمة التوحيد لا يمنع استمرار الرق عليه، لأن سبب الرق هو سابقة الكفر أو مقارنته لوقوع الأسر. وعليه فالمعترف بالتوحيد وفروع الشريعة من العبيد القادمين من أرض الحبشة وغيرها من أرض الكفر (1) لم يبين الونشريسي الجهة التي استفتته في المسألة بخلاف الشيخ أحمد بابا حيث ذكر أن السؤال ورد عليه من بلاد توات. وتوات صقع كبير يقع في الجنوب الغربي من صحراء الجزائر وهو عبارة عن واحات مجتمعة يتخللها قطع من الرمال، وأهلها عرب وبربر فيهم عرق من الزنج باختلاط الزيجة بينهم. دائرة المعارف بطرس البستاني 6/ 248. (2) المعيار 9/ 238 - 239.

(3) مخطوط توجد نسخ منه بالخزانة العامة بالرباط ج 155 - د 144 ـ د 478 - د 1724 ـ د 1079. كما توجه بعض نسخة بالخزانة الحسنية بالرباط.

وديار الحرب، لا يمنع اعترافهم بذلك الإقدام على بيعهم وابتياعهم اعتماداً على أصالة كفرهم. والشك في تقدم إسلامهم أو تأخره عن حصول الأسر والاسترقاق لغو لأنه شك في المانع، والشك في المانع لا أثر له في الأحكام الشرعية البتة. ويظهر أن الونشريسي كان يعرف التسيب والفوضى اللذان طبعا تجارة الرقيق بحيث استثنى من الحكم السالف ذكره العبيد الذين يتم جلبهم من البلاد التي عرف إسلام أهلها، أو غلب عليهم الإسلام، بحيث يحصل الشك في بعض الأفراد المجلوبين على الصفة المذكورة، ففي هذه الحالة لا يصح تملكهم، لأن الشرط مانع من ترتب المشروط عليه. يقول الونشريسي بهذا الخصوص: «نعم، إن علم إسلام طائفة أو صنف أو أهل جهة منهم، أو غلب عليهم الإسلام وتشككنا في بعض الأفراد القادمين علينا على الصفة المذكورة هل هم منهم أم لا؟ فالاحتياط المنع من تملكهم، لأن الشرط مانع من ترتب المشروط عليه. . . (1). إن هذا الحد الذي انتهى إليه الونشريسي سيشكل الأساس الفقهي الذي يبني عليه الفقيه والمؤرخ أحمد بابا جوابه عن رسالة التواتيين الذين استفتوه عن حكم العبيد المجلوبين من بلاد تقرر إسلام أهلها كبلاد، بورنو، وعفنو وكنو ونحوها حيث بين أحمد بابا أن أهل هذه البلاد مسلمون أسلموا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم، ومنهم قدماء في الإسلام كأهل مالي أسلموا في القرن الخامس أو قربه (2). وقد أرجع الشيخ أحمد بابا جذور هذه الآفة الاجتماعية إلى تقاتل سلاطين هذه البلاد، فيتحرك سلطان على غيره ويغير على بلاده ويسبي ما تيسر له منهم وهم مسلمون ويباع السبي وهو حر مسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون وهذا مستفيض عندهم في بلادهم وقد تصدى الشيخ أحمد بابا لإبطال بعض الشبهات التاريخية التي تفيد أن بلاد السودان فتحت

(4)

(3)

عنوة، إذ ورد في متن الرسالة التي بعثت إلى الشيخ أحمد بابا: وقولكم وقد أخبر بعض قضاة السودان أن الإمام الذي استفتحهم وهم كفار اختار إبقاءهم … ولا يخفى أنه يترتب على التسليم بهذه الرواية التاريخية جواز استرقاق أهل هذه البلاد - وإن حصل إسلامهم بعد ذلك ـ لأن الإسلام عند العلماء لا ينافي الرق إذ هو جزاء على الكفر الأصلي، وقد وجد - أي الإسلام - بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي هذه الرواية التاريخية يفندها الشيخ أحمد بابا ويبطلها من

(1) المعيار 239/ 9. (2) معراج الصعود إلى نيل مجلب السود. ورقة 2. (3) معراج الصعود وكلام أحمد بابا هذا يشهد لصحة ما ذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين من أن قضية الرق في أفريقيا لم تكن قضية إسلامية أو غير إسلامية، كما لم تكن قضية عَرَب وأفارقة، وإنما كانت وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية، وليس أدل على ذلك من أن السكان المحليين في أفريقيا كانوا يسترقون بعضهم بعضاً بل إن أعداداً كبيرة من المسلمين أنفسهم قد استرقوا نتيجة الاضطرابات والحروب الداخلية في غرب أفريقيا. الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية ص 196. (4) معراج الصعود ورقة 3.

337

336