أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٧١لم يجد من يبث له شكايته: ولم أجد طبيباً في كل قطر من الأقطار وبعد توجهه إلى مدينة فاس، ارتأى أن يوجه هذه الرسالة إلى السلطان سليمان: فأردت أن أبلغ ذلك لسلطان السلاطين الإمام الأبر الأمير الأسعد سيدنا سليمان.
ومن ناحية المحتوى العام لهذه الرسالة السودانية، فقد قسمها مؤلفها إلى بابين وخاتمة: تطرق في الباب الأول إلى إبراز البدع والعادات الجديدة والسّلوكيات غير الشرعية التي يقترفها البحارة ورؤساء المراكب في سفنهم.
الباب الثاني حاول فيه إثبات كفرهم بعد الإتيان بأدلة شرعية تخص هذه المسألة.
وفي الخاتمة يتوجه بكلامه للسلطان سليمان ليحثه على محاربة هذه البدع التي يقترفها رؤساء المراكب في شمال أفريقيا ويطلب منه مراسلة باشا الجزائر وتونس وطرابلس في هذا الشأن. كما يطلب منه زجر الحمالين والحمارين في المغرب عن بعض البدع التي ظهرت فيهم. والأسلوب الذي كتبت به الرسالة أسلوب بسيط تتخلله في بعض الأحيان أخطاء نحوية وهذا يرجع إلى أصل المؤلف الذي لا يتقن اللغة العربية كما بين ذلك بنفسه في مطلع الرسالة وفي خاتمتها بقوله: وذلك لا يمكن لقصور درجتي عن ذلك مع غلبة الجهل على القلب والعُجْمَةِ على اللسان. . ويضيف: ومن وجد فيها من الخطأ فليصلحه من ذلك لأن المؤلف رجل جاهل عجمي سيء الحفظ. .».
مضمون الرسالة السودانية والتعليق عليه:
مام الى الطاقة الميك
من خلال الرسالة المذكورة يتبين لنا بصفة أساسية نقطتان ارتكز عليها صاحب الرسالة: النقطة الأولى، تتعلق بإبرازه - بصيغة نقدية - للبدع والمظاهر الجديدة التي تفشت في مراكب وسفن البحارة وكذلك عند الحمالين بالمغرب مع إصداره الحكم الشرعي تجاه هؤلاء وفي هذا السياق ركزت الرسالة الحديث على هذه القضية في ثلاثة مظاهر يمكن استخلاصها كالتالي:
المظهر الأول يتحدث عنه بنوع من التفصيل، وذلك لشدة امتعاضه وسخطه. ويتجلى في التشاؤم بالقرآن عند رؤساء المراكب. فهؤلاء كرهوا قراءة القرآن وهاجروه، ومنعوا قراءته والصلاة والآذان في المركب معتقدين أن ذلك يسبب هيجان البحر وامتناع هبوب الرياح. وفي هذا الصدد لا يتوراى من إصدار الحكم الشرعي تجاههم وذلك بقوله: ولا يختلف أهل البصيرة بكفر هؤلاء الناس». ويؤكد ذلك في موضع آخر قائلاً: وكفروا بذلك لأنهم لا يعملون بما في القرآن. له الله المظهر الثاني يبرزه المؤلف نتيجة للأول. ففي نظره أن هؤلاء البحارة عوضوا سلوكهم المشار إليه، بعادات تنافي الشريعة الإسلامية فيقول عنهم: هم لا يؤذنون في المركب ولا يصلون ولا يذكرون، بل آذانهم شرب الخمر وصلاتهم اللواط وذكرهم سبّ الدين». ويعتبر هذه الأفعال والسلوكات الجديدة اقتداء بالنصارى. الة شلالة عالية التالي
ميلة
الثالث يتجلى في الاعتقاد السائد آنذاك في تأثير الكائنات. وهذه المسألة تحاول الرسالة
المظهر السودانية إبرازها من جانبين:
الجانب الأول في كون هؤلاء البحارة ورؤساء المراكب بعد تشاؤمهم بقراءة القرآن، اعتقدوا أن البحر والريح قادران أن يتصرفا كل منهما بنفسه. وبذلك - حسب المؤلف - صار البحر والريح معبودين عندهم. وفي هذا الصدد يبادر بإصدار فتوى يحرم فيها على كل حاكم إرسال هؤلاء في عمل جهادي ضد النصارى، ما دام أنهم بهذه العادات وهذه الاعتقادات قد خرجوا عن الملة والدين وأصبحوا في عداد المشركين، وهنا يظهر الحكم الشرعي بحرمة استعانة المسلمين بالمشركين في
الجهاد.
بلع
الجلدين
الجانب الثاني يتمثل في اعتقادهم ببركة الصلحاء والأولياء والمناداة عليهم لمنع الشدة عنهم إذا حصلت لهم حادثة في البحر. وكان اعتقادهم موجهاً بالخصوص للولي أبي العباس السبتي حيث تقول الرسالة: «أن ما يفعله أهل المراكب من رمي الفلوس أو الزيت أو الكبش المذبوح في البحر لأبي العباس ونداءهم بيا أبا العباس ثلاث مرات. وهنا كذلك يبرز صاحب الرسالة موقفه من هذه الظاهرة وذلك بإبطاله لهذا العمل وتحريمه ووصفه بالشناعة. إلا أن أهم ما نلاحظه في ختام مناقشته لهذه المسألة هو عدم تحريمه لهذا الفعل. ومن خلال ذلك نستخلص جانباً من اتجاهه الفكري، فرغم محاربته لهذه البدع، وخصوصاً التبرك بالأولياء والصالحين، فإن لا يدفعه إلى الاتفاق مع مذهب الوهابيين في تكفيرهم لكل من يعمل عملاً في هذا الشأن، حيث نجده يقول: والمؤمن لا يكفر بالبدعة الخالصة من الشرك، وقد ذكرنا جملة من إبطال أقوال الوهابيين المكفرين الناس بمثل هذا التوسل في رسالتنا: هتك الستر. ومن جانب آخر، وفي صدد حديثه عن الظواهر التي تفشت في صفوف البحارة يذكر كذلك بعض العادات الشنيعة التي برزت عند الحمالين والحمارين بالمغرب فهؤلاء بدأوا هم كذلك، وعلى شاكلة رؤساء المراكب يتشاءمون بقراءة القرآن فوق راحلتهم ويعتقدون أن ذلك يكون سبباً في هلاك هذه الراحلة. ولكن صاحب الرسالة يبطل هذا الزعم وهذا الاعتقاد وذلك باستناده وذكره لأمور فعلها الرسول وصحابته.
10
C
(1)
وبعد انتهائه من إبراز هذه البدع والعادات والظواهر يحاول صاحب الرسالة السودانية إثبات كفر هؤلاء البحارة ورؤساء المراكب وذلك بالإتيان بأدلة من القرآن والسنة والإجماع، ولكن الملاحظة التي يمكن تسجيلها عليه هو أننا في هذا الباب لا نجده يتعمق في مناقشته لهذه المسألة، بل يحاول استخلاصها بكيفية مقتضبة ونفهم من خلال ذلك بأنه لم يكن عالماً متضلعاً في علوم الفقه حتى يتمكن من إحاطة هذه المسألة من جميع جوانبها. وأكد ذلك بنفسه في بعض فقرات الرسالة، فنجده
(1) هذا تأليف يذكره في إحدى فقرات هذه الرسالة كتبه في شأن عبيد تونس والعادات والبدع التي يقترفونها سماها «هتك الستر عما عليه سودان تونس من الكفر.
341
340