أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

يقول في مقدمتها: (والمقصود في هذا الكتاب الانتفاع بمعناها دون لفظها، ومن أراد الاعتراض فعليه بكتب فحول أهل العلم.

ولإبراز هدفه من كتابة هذه الرسالة وهو الجانب العملي المتمثل في فضح هذه البدع وتبليغ هذه المناكر للمسؤولين، نجد المؤلف يذكر أن سبب تفشي هذه الظواهر والسلوكات الغير الشرعية راجع لسكوت العلماء عن ذلك وعدم قيامهم بواجبهم في تغيير هذه المناكر وعدم تحمل مسؤولياتهم كما ينبغي ذلك. وهذا في رأيه ما جعل هؤلاء الناس ويعني البحارة ورؤساء المراكب وغيرهم، يعتبرون أن أعمالهم لا تدخل في دائرة الحرام وفي هذا الصدد نجده يصف سكوت العلماء بكل أسف قائلاً: «تالله ما ذهب الدين إلا لسكوت دعاته وهم العلماء، جعل أهل الضلالة سكوتهم دليلاً يدل على جواز أفعالهم. كما لا ينسى تسجيل التصرفات اللامسؤولة لبعض العلماء الذين لم يقتصروا على السكوت فقط، بل كذلك قاموا بدورهم بمحاربة والوقوف في وجه كل من ينادي بتغيير هذه العادات وإنكار هذه البدع. ولذلك يختتم صاحبنا رسالته بكل امتعاض، يظهر من خلاله تأسفه على هذه الفترة التي يعيش فيها حيث ترتكب هذه البدع الشنيعة دون أن تجد من حاربها سواء من جانب العلماء أو من جانب الحكام ويعلق سخطه قائلاً: ياليتني لم تلدني أمي في هذا الزمان». ومن خلال هذا الموقف نستشف أن صاحب رسالة الدين المحمدي رجل يحب إصلاح هذه الأوضاع وغيور على الدين الإسلامي بحيث يريد المحافظة على نقائه وصفائه من كل الشوائب.

وفي خاتمة الرسالة السودانية نجد التوجه المقصود من المؤلف إلى السلطان المغربي المولى سليمان. فهو يوجه خطابه مباشرة إلى السلطان ويعتبر ذلك فرضاً وواجباً على هذا الأخير في محاربة البحارة بشمال أفريقيا ومنعهم من البدع الشنيعة. كما ينبغي عليه منع أصحاب المراكب في المغرب من اقتراف هذه المناكر ويسترسل في دعوة السلطان إلى منع الحمالين والحمارين في كل المدن المغربية من البدع التي ظهرت عندهم كذلك والتي سبق أن وضحها في قلب الرسالة. كما يحث السلطان على الكتابة ومراسلة حكام تونس والجزائر وطرابلس وتنبيههم لهذا الأمر والطلب منهم

محاربته ومنعه.

وتوجيه هذا الخطاب للسلطان أبي الربيع يراه صاحب الرسالة من ثلاث زوايا:

الأولى: كون السلطان راع يتحمل بذلك مسؤولية محاربة المنكر والأمر بالمعروف في رعيته. الثانية: أن محاربته إما بالسيف أو باللسان أو بالقلب للبحارة وعاداتهم في مناطق شمال أفريقيا يدخل في باب التبليغ الواجب على كل عالم وسلطان. ويوضح ذلك بقوله المباشر للمولى سليمان: لأنك سلطان وهؤلاء تحتك ولو كانوا تحت العثماني، لأن هذا تبليغ والتبليغ واجب على كل من

قدر عليه.

فيقول

الثالثة: إضافة إلى ذلك، كون السلطان ينتمي إلى سلالة الرسول، وبذلك يتحتم عليه أن صلى الله عليه وسلم،

يقتدي بجده

الله والملاحظة التي يمكن تسجيلها على أسلوب هذا الخطاب الموجه للسلطان هو أنه ليس أسلوب رجاء وطلب، بل أسلوب تعمد فيه المؤلف السوداني مخاطبة السلطان أبي الربيع بهذه الألفاظ التي يكررها عدة مرات ينبغي عليك، يجب عليك. .)، واجب عليك. .»، ونفهم من ذلك أن المؤلف كان يضع نفسه في موقف عالم يتوجب عليه أن ينصح السلطان ويبلغ له هذا الأمر

ويظهر له وجوبه وفرضه غير أننا من جانب آخر نتسائل عن الأسباب التي دفعت المؤلف السوداني إلى توجيه هذه الرسالة الشكاية مباشرة إلى سلطان المغرب المولى سليمان؟ كما سلف أن ذكرنا، وكما أكد عليه المؤلف في بداية رسالته، أنه رغم مروره بعديد من الأقطار الإسلامية أثناء رحلته للحج، لم يجد من يوجه له هذه الشكاية سواءً في صفوف الحكام أو العلماء. ولكنه عندما توجه إلى المغرب ارتأى أن يبلغ هذا الأمر للسلطان المغربي المولى سليمان. ويمكن أن ذلك إلى أن المؤلف السوداني وجد تناسقاً وتوافقاً في اتجاهه الفكري الإصلاحي مع نرجع أبي الربيع الذي اشتهر في كل البقاع الإسلامية بحمله لواء عملية الإصلاح وخصوصاً محاربة البدع التي تفشت عند المسلمين. وبما أن صاحب الرسالة كان رجلاً غيوراً يحاول المحافظة على نقاء الدين

السلطان

الإسلامي وجد ضالته في السلطان المغربي فأبى إلا أن يوجه شكايته إلى هذا المصلح الكبير. ومن المعروف أن السلطان سليمان تأثر بالتربية الدينية التي تلقاها على يد ثلة من العلماء كما تأثر بثقافتهم المبنية على المذهب المالكي. وطبقاً لذلك أقدم على العديد من الإجراءات المرتبطة بمحاربة الممارسات والبدع. هذا من جانب ومن جانب آخر، تزامن اتجاهه الإصلاحي مع ظرفية خاصة تميزت بانتشار المذهب الوهابي في العديد من الأقطار الإسلامية. ورغم التحفظات المتعددة التي كانت لدى السلطان سليمان تجاه بعض مبادئ الحركة الوهابية إلا أنه كان مع هذا المذهب في جوانبه الإيجابية من حيث محاربة البدع المرتبطة بتعظيم الأولياء وإقامة المواسم لهم والبناء على قبورهم، بما يخرج عن الشريعة وذلك كله بغية الرجوع بالدين الإسلامي إلى نقائه الأصلي وفي هذا الاتجاه الإصلاحي يسير المؤلف السوداني كما نفهم ذلك من خلال رسالته. ونظراً لهذا التوافق، وجه شكايته للسلطان سليمان حيث يمدحه على بعض الإجراءات الخاصة بميدان الإصلاح وخصوصاً تحريمه لشرب الدخان واستعماله. ولكنه يؤكد دائماً على السلطان أن محاربة البدع والمحرمات التي يقترفها البحارة والحمالون أعظم درجة وأكثر ثواباً من ذلك. خلاصة واستنتاج:

(1)

في خلاصة هذا الموضوع يمكن القول إن هذه الرسالة السودانية ساهمت في إعطائنا لمحة (1) لسنا هنا بحاجة إلى مناقشة نقط الاتفاق والاختلاف بين السلطان سليمان والمذهب الوهابي، نظراً لوجود أطروحات متعددة ناقشت ووضحت هذا الموضوع.

343

342