أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ١٧٣مهمة عن الأوضاع الاجتماعية في مناطق شمال أفريقيا في بداية القرن التاسع عشر، والمتمثلة في تفشي عادات وتقاليد في صفوف البحارة والحمالين بالمغرب كما حددت ذلك الرسالة. وهذا الأمر استدعى مناهضة واستنكاراً من طرف المصلحين الذين رأوا في هذه العادات بدعاً لا تمت إلى الدين بصلة. وفي إطار الأجواء الفكرية الإصلاحية السائدة آنذاك في شرق وغرب العالم الإسلامي برزت حركات وتيارات تحارب هذه البدع، حمل لواءها المذهب الوهابي في المشرق والسلطان سليمان في المغرب. وانطلاقاً من ذلك فإن الرسالة السودانية - موضوع دراستنا - والتي جاء مؤلفها من منطقة السودان الغربي جنوب الصحراء ووجهها للسلطان المغربي أبي الربيع، لدليل على التناسق والانسجام في المواقف الفكرية بين المؤلف والسلطان، وبرهان كذلك على وجود التواصل الفكري الثقافي في هذه الفترة بين الضفة الجنوبية والضفة الشمالية للصحراء الكبرى.
نص الرسالة السودانية:
وليا
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الكريم. ا
،
قال عبد ربه الفقير الضليل الذليل الحقير كثير الجهل الإنسان المتكلف بما ليس له، الراجي الغفران عند ربه الغفار، أحمد بن القاضي أبي بكر بن يوسف بن إبراهيم الفوتي أصله الدوجقي مولداً، التنبكتاوي أفقا الجناوي قرارة غفر الله له ولوالديه ولمن علمه ولمن أحبه في الله ولمن دعا له بالرحمة آمين يا رب العالمين.
في
تلك
الحمد لله الذي خص أهل البصائر بحفظ دينه عن التبديل والتغيير، ولم يزل كل واحد منهم محسوداً مبغوضاً مطروداً في كل عصر من الأعصار ولذلك صاروا اليوم معدودين كبيض الأنوق، وذهب بذلك الدين المحمدي في كل كنف من الأكناف وانتشر بذلك جناح الكفر والإشراك في كل بلد من البلدان وأخذ ركز البدعة يعتمر ويزيد في كل قرن من القرون والصلاة والسلام على من خص بالمقام المحمود في اليوم الموعود وعلى آله وأصحابه المجاهدين في قطع عرق الكفر والارتداد وعلى من تبعهم بغيرة دين الإسلام إلى يوم البعث والنشور وبعد: فلما خرجت إلى الحج وانتهيت إلى البحر ألزمت ركوب السفن لقصور يدي ورجلي عن مصاحبة القفول في البرّ، رأيت السفن مناكر ضاق بها صدري واحترق بها سلطان بدني ولم أجد طبيباً في كل قطر من الأقطار. ولم أزل كذلك حتى توجهت إلى محروسة فاس ولا زال الله تعالى يفتح لها كل باب من أبواب رحمته ويؤلف بين قلوب أهلها في كل دهر من دهوره ويسترها عن كل عيب في كل وقت من أوقاته ويجعل حجاباً مستوراً بينهما وبين كل كفار عنيد وظالم حسود وكان أمير المؤمنين بها في الوقت السراج المنير، الكوكب الوضاء، القطب الرباني، الوبل الدائم البحر الزاخر الشهاب الثاقب، البدر التام شمس الضحى، ظل الله فوق أرضه تاج العلماء، أفصح الفصحاء، روح سلاطين العرب وعمدة السلاطين العجم، الذي لولاه لكان أهل المغرب كبني إسرائيل من ظلم البربر ولكانوا تحت الذمة من تحت بني الأصفر. الجوهر الفرد وحيد عصره وفريد دهره نفال اليتامى والمساكين، حاتم الجود،
،
غلبة
الجامع ما افترق من الدرجات والمكارم سليل من سلالة بني هاشم معدن الكرم والفضل الوارث الجود والعدل العالم العلامة البحر الفهامة القائم بوظائف المسلمين، المشمر ساعده لنصر الدين المحمدي أبو العباس زين دين العابدين أمير الأمراء، ختام السلاطين آخر علماء السنة الذي ستر الله عيوب المغرب بسترة سينه، وألطف عليهم بلطف لامه وأفاض عليهم بركات يمن يائه، ومن عليهم. بمنن ميمه، وألف بين قلوبهم بإلف ألفه الثابتة بين الميم، والنون ونور أرضهم بنور نونه، السلطان الأعظم بن السلطان سيدنا سليمان بن أبي المكارم الشريف المعظم محمد نصره الله نصراً يعزّ به دين الإسلام ويذل به رقاب أهل الفسق والأصنام. اللهم بك إليك نسأل أن تجعل أجسام الكافرين والباغين والمنافقين أغماداً لسيوف أجناده واقذف في قلوب الضالين روعة صلصلة سلسلة آبائه وأجداده وكن له يا مجيب السائلين معيناً وظهيراً ونصيراً على أعدائه الكافرين آمين يا رب العالمين، فأردت أن أبلغ ذلك لسلطان السلاطين الإمام الأبر الأمير الأسعد سيدنا سليمان زاده الله عزّاً وشرفاً وديناً، وعلمت أنه لا يتم ذلك إلا بطول الكلام، وذلك لا يمكن لقصور درجتي عن ذلك الجهل على القلب والعُجمة على اللسان. فألفت في ذلك رسالة وسميتها شكاية الدين المحمدي إلى رعاية الموكلين به. اللهم يا مجيب السائلين بك إليك أسأل أن تحفظنا من الرياء والخطأ المبعد عن الصواب وأن تغفر لنا ولآباءنا إلى منتهى الإسلام وأشياخنا وأحبابنا وإخواننا ولمن قرأ هذه الرسالة أو نسخها ولو بأجرة أو نقلها من بلد إلى بلد وبلغها للحكام أو أصلح ما فيها من الفساد والخطأ واللحن بالعلم والإعانة لا بالجهل والرياء. ولقد أذنت لكل ذي قدم رفيع من العلم أن يصلح بما فيها من الفساد لفرط جهلي عن شروط التأليف التي هي علم النحو واللغة والتفسير والحديث والإجماع إلى غير ذلك من الشروط. والمقصود في هذا الكتاب الانتفاع بمعناها دون لفظها ومن أراد الاعتراض فعليه بكتب فحول أهل العلم. والمقصود في هذا الكتاب تبليغ المناكر إلى من وكل بتغييرها وذلك يحصل بمعرفة معنى الألفاظ ولو مع الخطأ واللحن. ثم حصرت تلك الرسالة في بابين وتتمة، وبالله نستعين و به نستخير لا رب غيره.
مع
باب: في بيان ما أشرك به أهل المراكب من إثبات التأثير للكائنات والتشاؤم بالقرآن الذي تنزل البركة بقراءته واقتداؤهم بالنصارى عند غروب الشمس ومقصودنا الآن النصيحة، لكن لا ينتفع بالنصيحة إلا لمن أراد بهم الله الإيمان والذين أراد الله بهم الكفر لا يؤمنون ولا ينتفعون بالنصيحة وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 6 و 7]. ولا تختلف أهل البصيرة على كفر هؤلاء الناس، وأما قولهم وأمثالهم من الجهال أن المؤمن لا يكفر. ويقول هؤلاء كيف نكفر ونقول لا إله إلا الله؛ فذلك باطل لأن النصارى وكثير من الفرق يقول لا إله إلا الله والمنافقون يقولون ذلك. أما سمعت يا مسكين قول عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ وَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 108] لا جرم أن هؤلاء قد قالوا آمنا بالله
345
344 E