أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٨

إلى وحدته الأنتوغرافية (1)، وكل الذين تساءلوا خارجاً عن فرضيات التأليف التاريخي الاستعماري،

عن دلالات هذا الإرجاع، سواء في الحكم على اتجاهات المؤرخين العرب واختلاف لقدراتهم حيال طبيعة المجتمع الصحراوي الأفريقي، وتعريقه ودوره أو في فهم نشأة قيام الدول فيه كل هؤلاء يتوقفون ضرورة عند ظاهرة الفتح العربي الإسلامي لربوع القارة الأفريقية وهو موقف يجد تبريره الكافي ليس فقط في كون الإسلام قد ارتبطت مسالك انتشاره ووجوده في أفريقيا ارتباطاً عضوياً بمشروع الفتح العربي أولاً، وبترسيخ أسس الوحدة والتضامن ثانياً (2)، الأسس التي انعقدت بها وحدة الانتماء إلى المشروعية الإسلامية، ومثلت فيه تجارب الوحدات السياسية المرابطية والموحدية والمرينية (3) أدواراً فاعلة. اميتال ولعت کا نام کا

بل أيضاً، ولربما كان هذا هو المقصود في كون عملية الفتح قد اتجهت أساساً إلى الجانب الروحي الثقافي منه خاصة لجعله منطلقاً لربط تاريخ أفريقيا وموروثها الثقافي القديم، بالتاريخ العربي الإسلامي بكل مفاهيمه ورؤاه ولغته التي يزخر بها. ومعنى هذا بوضوح، أنه إذا كان اتساع الرقعة التي انتشر فيها الإسلام بدافع من عمليات الفتح ومعطياته قد شجع على الاهتمام بجغرافية الصحراء من فتح الأمصار الأفريقية وضرورة تنظيم طرق الأشكال، بها فإنه قد ترتب على هذا الاتساع اختلاط الشعوب والأجناس بعضها ببعض، وبالتالي انتقال الرجال والإنكار والتجارب والقيم والعادات واندماجها في كل ثقافي وحضاري موحد دون أن يطمح أي منها إلى إلغاء الآخر أو نفيه. وهكذا فإذا كان لا بد من إعطاء معنى لهذه المقدمات مجتمعة بأنه لا مناص من القول أن أهمية هذا الفتح بالنسبة لموضوعنا ترجع لا إلى مضمونه الجغرافي، بل إلى وظيفته الثقافية. وهو يكتسب كل هذه الأهمية في تقديرنا، لأن الأمر يتعلق فعلاً بجدلية ثقافية حضارية تقدم لنا صورة الفتح الإسلامي وعمق انتشاره بالجهات الصحراوية في أفريقيا في صورة فتح ثقافي مزدوج: خارجي وداخلي معاً.

عبر

فمن جهة إذا كان الإسلام قد ذهب بالدعوة الحنيفية إلى أبعد مداها وأعطى لعقيدة التوحيد كل مضامينها. فأخذ على عاتقه حمل الدعوة ونشرها عبر الفتوحات العربية من الجزيرة العربية إلى فارس وبلاد الشام، ثم إلى أفريقيا ممتدة من مصر والمغرب إلى قلب القارة الأفريقية غرباً وشرقاً جنوب الصحراء، التي ستصبح فترة وجيزة قواعد وأطرافاً للدولة العربية الإسلامية المعطى الذي يتفق مع ما تؤكده المصادر التاريخية والمصنفات الجغرافية العربية فى هذا المضمار (4).

(1) جمال زكريا قاسم: الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية - دار الفكر العربي ط 1996 الكويت. عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب، مطبعة المعارف 1984.

=

حسن إبراهيم حسن: مسالك الإسلام إلى القارة الأفريقية - مجلة البينة. العدد الأول 1982 - ص 14 - 15. (2) د. عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب. ص 115.

(3) محمد القبلي: ملاحظات حول التجارب الوحدوية الوسيطية ببلاد المغرب الكبير. مجلة كلية الآداب الرباط ع 9 1982. (4) يراجع في هذا العدد:

بحوث المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول جامعة الإمام محمد بن مسعود. .. المجلد الرابع 1984 مطابع الجامعة ..

فإنه لا جدال كذلك في أن الفتح الذي تعرّضت له هذه الأقطار كان في آن واحد، فتحاً سياسياً لهذه الشعوب ولثقافاتها القدسية أي تفكيكاً لمفعول سلطاتها وتداخل طبقاتها وتياراتها المذهبية والعرقية التي تحتفظ بتلك السلطات على شكل بنيات ثقافية وثنية عتيقة يجربها سعة الموروث الثقافي القديم في أفريقيا. ونحن هنا نقصد به ذلك الخليط من العقائد الوثنية والمسيحية و من القيم والتقاليد والأعراف والطقوس التي كانت سائدة في هذه البلاد قبل الإسلام سواء في شكل رواسب قبلية، أو في شكل إرث حضاري قديم وبعبارة أخرى تكتسي عملية الفتح هنا طابع التفكيك

الثقافي لعصبيات الجنس والعرق وللروحانيات الشعبية الملفقة بعناصر اللامعقول الديني الوثني.

ولو شئنا أن نحتج هنا بظواهر من هذا التفكيك الثقافي الإسلامي للعقائد الوثنية الأفريقية القديمة، أمكن القول مع المستشرق الإنجليزي سبنسر ترمنجهام في كتابه «الإسلام في السودان» (1)

إن العقيدة التي نشرها الإسلام عقيدة التوحيد وما يرتبط بها أو ترتبط هي به من نظام عقدي وتشريعي، قد حلت تماماً محل المعتقدات الوثنية القديمة في كل من بلاد السودان والنيجر وواحات الصحراء، ففي هذه الأقطار الأفريقية توارت خلف الظلام. عقب استقرار الفتح، أو بعده بقليل، كثير من المعتقدات القديمة التي كرسها الموروث الوثني في هذه البلاد قبل الإسلام، طقوسا وتمائم وعادات، هي ألصق ما تكون صلة بطقوس السحر والاعتقاد في الأرواح وأكل لحوم البشر وغير ذلك من العادات الوحشية المبرّرة عند الوثنيين.

ولو شئنا أن نحتج ثانية بشواهد مؤيدة من معين المصادر العربية في هذا الشأن، أي فيما حق اعتباره إفادات وشهادات أفريقية من النوع الذي دوّنته كتب الرحلات العربية وتواريخ الأدب الجغرافي لقلنا إن كثيراً من نظم الحياة الاجتماعية الإسلامية وأشكال التعبير الثقافي والروحي التي كان لها أعمق التأثير في تآخي الأمازيغ والعرب. وظلت تغذي كيان الأفارقة بأرومتهم العربية النظم التي لم يشكل فيها المدوّن أو المكتوب سوى جزء يسير من هذا الذي تقره مظاهر هذه الثقافة من قيم عروبية أساسها اللغة والتشريع، وبما أنماط سلوك ونفسانية جماعية بديلة عن تقاليد ومعتقدات الموروث الأفريقي الوثني القديم كل هذه مجتمعة إذن إنما تجد تفسيرها الأنثربولوجي والحضاري في عروبة الفتح الثقافي وبدافع من

تقننه من

معطياته الإسلامية.

(1)

Spencer tremnighem: Islam in the Sudan (oxford in university press.) P 107.

(2) نحيل على سبيل الاستئناس إلى أشهر الرحلات في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وأكثرها تداولاً وأغزرها جمعاً لوظائف الرحلة وإخباراً عن المناطق الأفريقية. نذكر منها:

كتاب «البلدان» اليعقوبي، وأبي الحسن المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر والاصطخري كتاب الأقاليم والمسالك والممالك»، المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. محمد التاريخي الأندلسي: «وصف أفريقيا والمغرب. الشريف الإدريسي: نزهة المشتاق و ابن بطوطة: تحفة النظار وابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار المغرب. وأبا الحسن الوزان (ليون الأفريقي) وصف أفريقيا). كراتشوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي عند العرب.

35

34